الثالث : أنه من قوله :
فَفِي النَّارِ
« 1 » ، و
فَفِي الْجَنَّةِ
« 2 » ، أي : إلّا الزمان الذي شاءه اللّه ، فلا يكون في النار ولا في الجنة ، ويمكن أن يكون هذا الزمان المستثنى هو الزمان الذي يفصل اللّه فيه بين الخلق يوم القيامة . إذا كان الاستثناء من الكون في النار أو في الجنة لأنه زمان يخلو فيه الشقي والسعيد من دخول النار الجنة . وأما إن كان الاستثناء من الخلود ، فيمكن ذلك بالنسبة إلى أهل النار ، ويكون الزمان المستثنى هو الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة ، فليسوا خالدين في النار ، إذ قد اخرجوا منها وصاروا إلى الجنة ، وهذا المعنى مروي عن : قتادة والضحاك وغيرهما . و
« الَّذِينَ شَقُوا »
على هذا شامل للكفار والعصاة . هذا في طرف الأشقياء العصاة ممكن ، وأما حق الطرف الآخر فلا يتأتى هذا التأويل فيه ، إذ ليس منهم من يدخل الجنة ثم لا يخلد فيها .
قال الشيخ « 3 » : « يمكن ذلك باعتبار أن يكون أريد الزمان الذي فات أهل النار العصاة من المؤمنين أو الذي فات أصحاب الأعراف ، فإنه بفوات تلك المدة التي دخل المؤمنون فيها الجنة وخلدوا فيها صدق على العصاة المؤمنين وأصحاب الأعراف أنهم ما خلدوا في الجنة تخليد من دخلها لأول وهلة » .
الرابع : أنه استثناء من الضمير المستتر في الجار والمجرور ، وهو قوله :
« فَفِي النَّارِ »
و
« فَفِي الْجَنَّةِ »
، لأنه لما وقع خبرا تحمّل ضمير المبتدأ .
: أنه استثناء من الضمير المستتر في الحال ، وهو
« خالِدِينَ »
وعلى هذين القولين تكون
« ما »
واقعة على من يعقل عند من يرى ذلك ، أو على أنواع من يعقل كقوله :
ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
« 4 » ، والمراد ب
« ما »
حينئذ العصاة من المؤمنين في طرف أهل النار ، وأما في طرف أهل الجنة فيجوز أن يكونوا هم أو أصحاب الأعراف ، لأنهم لم يدخلوا الجنة لأول وهلة ولا خلدوا فيها خلود من دخلها أولا .
السادس : قال ابن عطية : « قيل : إنّ ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشارع إلى استعماله في كل كلام فهو كقوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
« 5 » استثناء في واجب ، وهذا الاستثناء هو في حكم الشرط ، كأنه قال : إن شاء اللّه ، فليس يحتاج أن يوصف بمتصل ولا منطقع » .
السابع : هو استثناء من طول المدة ، ويروى عن ابن مسعود وغيره أن جهنم تخلو من الناس وتخفف أبوابها ، فلذلك قوله :
« إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ »
وهذا مردود بظواهر الكتاب والسنة ، وما ذكرته عن ابن مسعود فتأويله : أن جهنم في الدرك الأعلى وهي تخلو من العصاة المؤمنين ، هذا على تقدير صحة ما نقل عن ابن مسعود .
الثامن : أن
« إِلَّا »
حرف عطف بمعنى الواو ، فمعنى الآية : وما شاء ربك زائدا على ذلك .
التاسع : أن الاستثناء منقطع فيقدر ب « لكن » أو ب « سوى » ، ونظروه بقولك : « لي عليك ألفا در هم إلا الألف التي كنت أسلفتك » بمعنى : سوى تلك ، فكأنه قيل : خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربّك زائدا على ذلك . وقيل : سوى ما أعد لهم من عذاب غير عذاب النار كالزمهرير ونحوه .
هامش
( 1 ) سورة هود ، آية : ( 106 ) .
( 2 ) سورة هود ، آية : ( 108 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 263 ) .
( 4 ) سورة النساء ، آية : ( 3 ) .
( 5 ) سورة الفتح ، آية : ( 27 ) .