قوله :
فَتَحْنا .
قرأ الجمهور
« فَتَحْنا »
مخففا ، وابن عامر « فتّحنا » مثقلا ، والتثقيل مؤذن بالتكثير لأن بعده
« أَبْوابَ »
فناسب التكثير ، والتخفيف هو الأصل . وقرأ ابن عامر أيضا في الأعراف « لفتّحنا » ، وفي القمر
فَفَتَحْنا أَبْوابَ
« 1 » بالتشديد أيضا ، وشدد أيضا
فُتِحَتْ يَأْجُوجُ
« 2 » . والخلاف أيضا في
فُتِحَتْ أَبْوابُها
في الزمر في الموضعين « 3 » ،
وَفُتِحَتِ السَّماءُ
« 4 » والتاء ، فإنّ الجماعة وافقوا ابن عامر على تشديدها ، ولم يقرأها بالتخفيف إلا الكوفيون ، فقد جرى ابن عامر على نمط واحد في هذا الفعل ، والباقون شددوا في المواضع الثلاثة المشار إليها ، وخففوا في الباقي جمعا بين اللغتين قوله :
« فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ »
« إذا » هي الفجائية ، وفيها ثلاثة مذاهب :
مذهب سيبويه : أنها ظرف مكان .
ومذهب جماعة منهم الرّياشيّ : أنها ظرف زمان .
ومذهب الكوفيين : أنها حرف . فعل تقدير كونها ظرفا مكانا أو زمانا ، الناصب لها خبر المبتدأ ، أي : أبلسوا في مكان إقامتهم ، أو في زمانها . والإبلاس : الإطراق ، وقيل : هو الحزن المعترض من شدة اليأس ، ومنه اشتق إبليس ، وقد تقدم في موضعه ، وأنه هل هو أعجمي أم لا .
قوله :
فَقُطِعَ دابِرُ .
الجمهور على « قطع » مبنيا للمفعول ،
« دابِرُ »
مرفوع به ، وقرأ عكرمة : « قطع » مبنيا للفاعل ، وهو « اللّه » - تعالى -
« دابِرُ »
مفعول به ، وفيه التفات ، إذا هو خروج من تكلم في قوله :
« أَخَذْناهُمْ »
إلى غيبة . والدابر : التابع من خلف ، يقال : دبر الولد والده ، ودبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا . وقيل : الدابر : الأصل ، يقال : قطع اللّه دابره ، أي : أصله ، قاله الأصمعي . وقال أبو عبيد : دابر القوم آخرهم ، وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت :
1938 - فاستؤصلوا بعذاب خصّ دابرهم * فما استطاعوا له صرفا وما انتصروا « 5 »
ومنه : دبر السّهم الهدف ، أي : سقط خلفه .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 46 إلى 51 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 )
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 51 )
هامش
( 1 ) سورة القمر ، آية ( 11 ) .
( 2 ) سورة الأنبياء ، آية ( 96 ) .
( 3 ) عند الآية ( 71 ) و ( 73 ) .
( 4 ) آية ( 19 ) .
( 5 ) انظر البيت في ديوانه ( 32 ) ، الطبري ( 11 / 364 ) ، تفسير القرطبي ( 6 / 275 ) .