تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
الثاني : أنه في محل رفع بالابتداء و
« مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
حال من
« الْمُطَّوِّعِينَ »
، و
« فِي الصَّدَقاتِ »
متعلق ب
« يَلْمِزُونَ »
. و
« الَّذِينَ لا يَجِدُونَ »
نسق على
« الْمُطَّوِّعِينَ »
أي : يعيبون المياسير والفقراء . وقال مكي :
« وَالَّذِينَ »
خفض عطفا على
« الْمُؤْمِنِينَ »
، ولا يحسن عطفه على
« الْمُطَّوِّعِينَ »
، لأنه لم يتمّ اسما بعد ، لأن
« فَيَسْخَرُونَ »
عطف على
« يَلْمِزُونَ »
هكذا ذكره النحاس في « الإعراب » له ، وهو عندي وهم منه » ، قلت : الأمر كما ذكر فإن المطّوّعين » قد تمّ من غير احتياج لغيره . وقوله :
فَيَسْخَرُونَ
نسق على الصلة ، وخبر المبتدأ الجملة من قوله :
« سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ »
، هذا أظهر إعراب قيل هنا : وقيل :
« وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ »
نسق على
« الَّذِينَ يَلْمِزُونَ »
، ذكره أبو البقاء . وهذا لا يجوز ؛ لأنه يلزم الإخبار عنهم ، بقوله :
« سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ »
وهذا لا يكون إلا بأن كان الذين لا يجدون منافقين ، وأمّا إذا كانوا مؤمنين كيف يسخر اللّه منهم ؟ وقيل :
« وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ »
نسق على المؤمنين ، قاله أبو البقاء . وقال الشيخ « 1 » : « وهو بعيد جدا » ، قلت : وجه بعده أنه يفهم أن الذين لا يجدون ليسوا مؤمنين ؛ لأنّ أصل العطف الدلالة على المغايرة فكأنه قيل : يلمزون المطّوّعين من هذين الصنفين : المؤمنين والذين لا يجدون ، فيكون الذين لا يجدون مطّوّعين غير مؤمنين . وقال أبو البقاء :
« فِي الصَّدَقاتِ »
متعلق ب
« يَلْمِزُونَ »
، ولا يتعلق بالمطّوّعين لئلا يفصل بينهما بأجنبي » ، وهذا الردّ فيه نظر ، إذ قوله :
« مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
حال ، والحال ليست بأجنبي ، وإنما يظهر في ردّ ذلك أن « يطّوّع » إنما يتعدى بالباء لا ب « في » ، وكون « في » بمعنى الباء خلاف الأصل . وقيل :
« فَيَسْخَرُونَ »
خبر المبتدأ ، ودخلت الفاء لما تضمّنه المبتدأ من معنى الشرط ، وفي هذا الوجه بعد من حيث إنه يقرب من كون الخبر في معنى المبتدأ ، فإنّ من عاب إنسانا وغمزه علم أنه يسخر منه فيكون كقوله : « سيد الجارية مالكها » « 2 » . الثالث : أن يكون محله نصبا على الاشتغال بإضمار فعل يفسره
« سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ »
من طريق المعنى نحو : عاب الذين يلمزون سخر اللّه منهم . الرابع : أن ينتصب على الشتم . الخامس : أن يكون مجرورا بدلا من الضمير في
« سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ »
. وقرىء « يلمزون » بضم الميم ، وقد تقدّم أنها لغة . وقوله :
سَخِرَ اللَّهُ
يحتمل أن يكون خبرا محضا ، وأن يكون دعاء . وقرأ الجمهور
« جُهْدَهُمْ »
بضم الجيم . وقرأ ابن هرمز وجماعة « جهدهم » بالفتح . فقيل : لغتان بمعنى واحد . وقيل : المفتوح المشقّة ، والمضموم الطاقة قاله القتبي . وقيل : المضموم شيء قليل يعاش به ، والمفتوح العمل . قوله تعالى :
سَبْعِينَ مَرَّةً :
منصوب على المصدر كقولك : « ضربته عشرين ضربة » فهو لعدد مراته .
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 76 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .