2507 - إنّ الخليط أجدّوا البين فانجردوا * وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا « 1 »
يريد : عدّة الأمر . وقال صاحب « اللوامح » : « لمّا أضاف جعل الكناية نائبة عن التاء فأسقطها ؛ وذلك لأنّ العدّ بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه » . وقال أبو حاتم : « هو جمع عدّة ك برّ جمع برّة ، ودرّ جمع درّة ، والوجه فيه عدد ، ولكن لا يوافق خطّ المصحف .
وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان « عدّه » بكسر العين مضافة إلى هاء الكناية . قال ابن عطية : « وهو عندي اسم لما يعدّ كالذّبح والقتل . وقرىء أيضا « عدّة » بكسر العين وتاء التأنيث ، والمراد عدة من الزاد والسلاح مشتقا من العدد .
قوله :
وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ
الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل ؛ ولذلك قال الزمخشري : « فإن قلت : كيف موقع حرف الاستدراك ؟ قلت : لمّا كان قوله
« وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ »
معطيا نفي خروجهم واستعدادهم للغزو قيل : ولكن كره اللّه [ انبعاثهم ] ، كأنه قيل : ما خرجوا ولكن تثبّطوا عن الخروج لكراهة انبعاثهم ، كما تقول : ما أحسن زيد إليّ ولكن أساء إليّ » انتهى . يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنّ ما بعد
« لكِنْ »
موافق لما قبلها ، وقد تقرّر فيها أنها لا تقع إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين - على خلاف في هذا الأخير - فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور .
قال الشيخ : « وليست الآية نظير هذا المثال يعني : ما أحسن زيدا إليّ ولكن أساء ، لأن المثال واقع فيه
« لكِنْ »
بين ضدّين ، والآية واقع فيها
« لكِنْ »
بين متفقين من جهة المعنى » ، قلت : مرادهم بالنقيضين النفي والإثبات لفظا وإن كانا يتلاقيان في المعنى ، ولا يعدّ ذلك اتفاقا .
والتّثبيط : التّعويق . يقال : ثبّطت زيدا أي : عقته عمّا يريده من قولهم : ناقة ثبطة أي بطيئة السير . والمراد بقوله
« اقْعُدُوا »
التّخلية وهو كناية عن تباطئهم ، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزّمنى وذوي الأعذار ، وليس المراد قعودا كقوله :
2508 - دع المكارم لا تقصد لبغيتها * واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
قوله تعالى :
لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ :
أي : في جيشكم وفي جمعكم . وقيل : « في » بمعنى مع ، أي :
معكم . وتقدّم تفسير « الخبال » في آل عمران « 2 » .
وقوله :
إِلَّا خَبالًا
جوّزوا فيه أن يكون استثناء متصلا وهو مفرّغ ؛ لأنّ « زاد » يتعدى لاثنين . قال الزمخشري : « المستثنى منه غير مذكور ، فالاستثناء من أعمّ العام الذي هو الشيء ، فكان استثناء متصلا فإن الخبال بعض أعمّ العام كأنه قيل : ما زادوكم شيئا إلا خبالا » . وجوّزوا فيه أن يكون منقطعا والمعنى : ما زادوكم قوة ولا شدّة ولكن خبالا ، وهذا يجيء على قول من قال إنه لم يكن في عسكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبال ، كذا قال الشيخ « 3 » . وفيه نظر ؛ لأنه إذا لم يكن في العسكر خبال أصلا فكيف يستثنى شيء لم يكن ولم يتوهّم وجوده ؟
قوله :
خِلالَكُمْ
منصوب على الظرف . والخلال : جمع خلل وهو الفرجة بين الشيئين ويستعار في المعاني فيقال : في هذا الأمر خلل .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) آية رقم ( 118 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 49 ) .