تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
وقرأ الأعمش وزيد بن علي « لو استطعنا » بضم الواو ، كأنهما فرّا من الكسرة على الواو ، وإن كان الأصل ، وشبّها واو
« لَوْ »
بواو الضمير كما شبّهوا واو الضمير بواو
« لَوْ »
، حيث كسروها نحو
« اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ » *
لالتقاء الساكنين . وقرأ الحسن « اشتروا الضلالة » ، و « لو استطعنا » بفتح الواو تخفيفا . قوله :
يُهْلِكُونَ
في هذه الجملة ثلاثة أوجه : أحدها : أنها حال من فاعل
« سَيَحْلِفُونَ »
، أي : سيحلفون مهلكين أنفسهم . والثاني : أنها بدل من الجملة قبلها وهي
« سَيَحْلِفُونَ »
. الثالث : أنها حال من فاعل
« لَخَرَجْنا »
. وقد ذكر الزمخشري هذه الأوجه الثلاثة ، فقال :
« يُهْلِكُونَ
: إمّا أن يكون بدلا من
« سَيَحْلِفُونَ »
أو حالا بمعنى مهلكين . والمعنى : أنهم يوقعون في الهلاك أنفسهم بحلفهم الكاذب . ويحتمل أن يكون حالا من فاعل « خرجنا » ، أي : لخرجنا وإن أهلكنا أنفسنا . وجاء بلفظ الغائب لأنه مخبر عنهم ، ألا ترى أنه لو قيل : سيحلفون باللّه لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدا ، يقال : حلف باللّه ليفعلن ولأفعلن ، فالغيبة على حكم الإخبار ، والتكلم على الحكاية » . قال الشيخ : « أمّا كون
« يُهْلِكُونَ »
بدلا من
« سَيَحْلِفُونَ »
فبعيد ؛ لأنّ الإهلاك ليس مرادفا للحلف ولا هو نوع منه ، ولا يبدل فعل من فعل إلا إن كان مرادفا له أو نوعا منه » قلت : يصحّ البدل على معنى أنه بدل اشتمال ؛ وذلك لأنّ الحلف سبب للإهلاك فهو مشتمل عليه ، فأبدل المسبّب من سببه لاشتماله عليه ، وله نظائر كثيرة منها قوله :
2506 - إنّ عليّ اللّه أن تبايعا * تؤخذ كرها أو تجيء طائعا « 1 »
ف « تؤخذ » بدل من « تبايع » بدل اشتمال بالمعنى المذكور ، وليس أحدهما نوعا من الآخر . ثم قال الشيخ : « وأمّا كونه حالا من قوله
« لَخَرَجْنا »
[ فالذي يظهر أن ذلك لا يجوز لأنّ قوله
« لَخَرَجْنا »
] فيه ضمير المتكلم ، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم ، فلو كان حالا من فاعل
« لَخَرَجْنا »
لكان التركيب : نهلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا . وأمّا قياسه ذلك على « حلف زيد ليفعلن » و « لأفعلنّ » فليس بصحيح ؛ لأنّه إذا أجراه على ضمير الغيبة لا يخرج منه إلى ضمير المتكلم ، لو قلت : « حلف زيد ليفعلن وأنا قائم » على أن يكون « وأنا قائم » حالا من ضمير « ليفعلن » لم يجز ، وكذا عكسه نحو : « حلف زيد لأفعلن يقوم » تريد : قائما لم يجز . وأمّا قوله « وجاء به على لفظ الغائب لأنه مخبر عنهم » فمغالطة ، ليس مخبرا عنهم بقوله
« لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا »
، بل هو حاك لفظ قولهم . ثم قال : « ألا ترى لو قيل : لو استطاعوا لخرجوا لكان سديدا إلى آخره » كلام صحيح لكنه تعالى لم يقل ذلك إخبارا عنهم ، بل حكاية ، والحال من جملة كلامهم المحكيّ ، فلا يجوز أن يخالف بين ذي الحال وحاله لاشتراكهما في العامل . لو قلت : « قال زيد خرجت يضرب خالدا » تريد : أضرب خالدا ، لم يجز . ولو قلت : « قالت هند : خرج زيد اضرب خالدا » تريد : خرج زيد ضاربا خالدا لم يجز » انتهى . الرابع : أنها جملة استئنافية أخبر اللّه عنهم بذلك .
هامش
( 1 ) تقدم .