والمفسرين على أنّ
« مِنَ »
بمعنى بدل كقوله :
لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً
« 1 » أي : بدلكم ، ومثله قول الآخر :
2504 - جارية لم تأكل المرقّقا * ولم تذق من البقول الفستقا « 2 »
وقول الآخر :
2505 - فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبرّدة باتت على طهيان « 3 »
إلا أنّ أكثر النحويين لم يثبتوا لها هذا المعنى ، ويتأوّلون ما أوهم ذلك والتقدير هنا : اعتصمتم من الآخرة راضين بالحياة وكذلك باقيها . وقال أبو البقاء :
« مِنَ الْآخِرَةِ
في موضع الحال أي : بدلا من الآخرة » ، فقدّر المتعلّق كونا خاصا ، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى .
قوله :
فِي الْآخِرَةِ
متعلق بمحذوف من حيث المعنى تقديره : فما متاع الحياة الدنيا محسوبا في الآخرة .
ف « محسوبا » حال من
« مَتاعُ »
. وقال الحوفي : « إنه متعلق بقليل وهو خبر المبتدأ » . قال : « وجاز أن يتقدّم الظرف على عامله المقرون ب
« إِلَّا »
لأنّ الظروف تعمل فيها روائح الأفعال . ولو قلت : « ما زيد عمرا إلا يضرب » لم يجز » .
قوله تعالى :
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ :
هذا الشرط جوابه محذوف لدلالة قوله :
« فَقَدْ نَصَرَهُ »
عليه ، والتقدير : إن لا تنصروه فسينصره . وذكر الزمخشري فيه وجهين :
أحدهما : ما تقدم .
والثاني : قال : « إنه أوجب له النّصرة ، وجعله منصورا في ذلك الوقت فلن يخذل من بعده » .
قال الشيخ : « وهذا لا يظهر منه جواب الشرط لأنّ إيجاب النصرة له أمر سبق ، والماضي لا يترتّب على المستقبل فالذي يظهر الوجه الأول » .
قوله :
ثانِيَ اثْنَيْنِ
منصوب على الحال من مفعول
« أَخْرَجَهُ »
وقد تقدّم معنى الإضافة في نحو هذا التركيب عند قوله
ثالِثُ ثَلاثَةٍ .
وقرأت جماعة
« ثانِيَ اثْنَيْنِ »
بسكون الياء . قال أبو الفتح : « حكاها أبو عمرو » ووجهها أن يكون سكّن الياء تشبيها لها بالألف ، وبعضهم يخصّه بالضرورة .
قوله :
إِذْ هُما فِي الْغارِ
« إِذْ »
: بدل من
« إِذْ »
الأولى فالعامل فيها
« فَقَدْ نَصَرَهُ »
، قال أبو البقاء : « ومن منع أن يكون العامل في البدل هو العامل في المبدل منه قدّر عاملا آخر ، أي : نصره إذ هما في الغار » .
و
« الْغارِ »
نقب يكون في الجبل ، ويجمع على غيران ومثله : تاج وتيجان ، وقاع وقيعان . والغار أيضا نبت طيب الريح ، والغار أيضا الجماعة ، والغاران البطن والفرج . وألف الغار عن واو .
قوله :
إِذْ يَقُولُ
بدل ثان من
« إِذْ »
الأولى . وقال أبو البقاء : « إنّ إذ هما في الغار ، وإذ يقول ظرفان لثاني اثنين » ، والضمير في
« عَلَيْهِ »
يعود على أبي بكر ، لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان عليه السكينة دائما . وقد تقدم القول في
هامش
( 1 ) الزخرف آية ( 60 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) البيت ليعلى بن الأحول شرح ديوان الحماسة ( 1 / 300 ) البحر ( 5 / 42 ) التهذيب « طها » .