قوله :
عَلى ما فَرَّطْنا
متعلق بالحسرة « وما » مصدرية ، أي : على تفريطنا ، والضمير في
« فِيها »
يجوز أن يعود على
« السَّاعَةُ »
، ولا بد من مضاف ، أي : في شأنها والإيمان بها ، وأن يعود على الصفة المتضمنة في قوله تعالى :
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ ،
قاله الحسن ، أو يعود على الحياة الدنيا ، وإن لم يجر لها ذكر ، لكونها معلومة ، قاله الزمخشري ، وقيل : يعود على منازلهم في الجنة إذا رأوها ، وهو بعيد . والتفريط : التقصير في الشيء مع القدرة على فعله . وقال أبو عبيد : هو التضييع . وقال ابن بحر : هو السبق ، ومنه الفارط ، أي السابق للقوم ، فمعنى فرّط - بالتشديد - : خلى السبق لغيره ، فالتضعيف فيه للسلب ، كجلّدت البعير ، ومنه :
فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ .
قوله « 1 » :
وَهُمْ يَحْمِلُونَ
الواو للحال ، وصاحب الحال الواو في
« قالُوا »
، أي : قالوا : يا حسرتنا في حالة حملهم أوزارهم ، وصدرت هذه الجملة بضمير مبتدأ ، ليكون ذكره مرتين فهو أبلغ . والحمل هنا قيل : مجاز عن مقاساتهم العذاب ، الذي سببه الأوزار . وقيل : هو حقيقة . وفي الحديث : « أنه يمثل له عمله بصورة قبيحة منتنة الريح ، فيحملها . وخص الظهر ، لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه غيره ، من الأعضاء ، كالرأس والكاهل ، وهذا كما تقدم في : :
فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
« 2 » ، لأن اليد أقوى في الإدراك اللمسي من غيرها . و « الأوزار » : جمع وزر ، ك « حمل » وأحمال ، وعدل وأعدال . والوزر في الأصل : الثّقل ، ومنه وزرته ، أي حملته شيئا ثقيلا ، وزير الملك من هذا ، لأنه يتحمل أعباء ما قلده الملك من مؤونة رعيته وحشمه ، ومنه : أوزار الحرب لسلاحها وآلاتها ، قال :
1908 - وأعددت للحرب أوزارها * رماحا طوالا وخيلا ذكورا « 3 »
وقيل : الأصل في ذلك « الوزر » - بفتح الواو والزاي - وهو الملجأ الذي يلتجأ إليه من الجبل ، قال تعالى :
كَلَّا لا وَزَرَ
« 4 » : ثم قيل للثقل : وزر ، تشبيها بالجبل ، ثم استعير الوزر للذنب ، تشبيها به في ملاقاة المشقة منه .
والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعصمة . قوله :
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ
« ساءَ »
هنا تحتمل أوجها ثلاثة - :
أحدها : أنها
« ساءَ »
المتصرفة المتعدية ، ووزنها حينئذ فعل - بفتح العين - ومفعولها حينئذ محذوف ، وفاعلها
« ما »
، و
« ما »
تحتمل ثلاثة أوجه : أن تكون موصولة اسمية أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، وهو بعيد ، وعلى جعلها اسمية أو نكرة موصوفة نقدر لها عائدا ، والحرفية غير محتاجة إليه عند الجمهور ، والتقدير : ألا ساءهم الذي يزرونه ، أو شيء يزرونه ، أو وزرهم . وبدأ ابن عطية بهذا الوجه ، قال : كما تقول : ساءني هذا الأمر ، والكلام خبر مجرد كقوله :
1909 - رضيت خطّة خف غير طائلة * فساء هذ رضا يا قيس عيلانا « 5 »
قال الشيخ « 6 » : « ولا يتعين أن يكون ما في البيت خبرا مرجدا ، بل يحتمل الأوجه الثلاثة انتهى » . وهو ظاهر .
الثاني : أن تكون للتعجب فتنقل من فعل بفتح العين إلى « فعل » بضمها ، فتعطى حكم فعل التعجب من عدم التصرف ، والخروج من الخبر إلى الإنشاء ، إن قلنا : إنّ التعجب إنشاء ، وهو الصحيح ، والمعنى : ما أسوأ أي :
هامش
( 1 ) سورة الإسراء ، آية ( 79 ) .
( 2 ) سورة الأنعام ، آية ( 7 ) .
( 3 ) البيت للأعشى انظر ديوانه ( 149 ) ، التهذيب ( 13 / 244 ) ، ( وزر ) اللسان ( وزر ) .
( 4 ) سورة القيامة ، آية ( 11 ) .
( 5 ) انظر البيت في البحر المحيط ( 4 / 108 ) .
( 6 ) انظر البحر الموضع السابق .