قالوه تقيّة ، فقد يتمنى الإنسان شيئا بلسانه وقلبه فارغ منه . وقال الزجاج :
« بَلْ »
هنا استدراك ، وإيجاب نفي ، كقولهم : ما قام زيد بل عمرو .
قال الشيخ « 1 » : ولا أدري ما النفي الذي سبق حتّى توجبه
« بَلْ »
. « قلت : الظاهر أن النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله :
« وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا »
إذا جعلناه مستأنفا على تقدير : « ونحن لا نكذّب » ، والمعنى : بل أنتم مكذبون . وفاعل
« بَدا »
قوله :
« ما كانُوا »
، و
« ما »
يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وهو الظاهر ، أي : ظهر لهم الذي كانوا يخفونه ، والعائد محذوف ، ويجوز أن تكون مصدرية ، أي : ظهر لهم إخفاؤهم ، أي : عاقبته ، أو أطلق المصدر على اسم المفعول ، وهو بعيد . والظاهر أن الضميرين أعني المجرور والمرفوع في قوله :
« بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ »
عائذان على شيء واحد ، وهم الكفار ، أو اليهود والنصارى خاصة . وقيل : المجرور للأتباع ، والمرفوع للرؤساء ، أي : بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبوعون يخفونه .
قوله :
وَلَوْ رُدُّوا
« قرأ الجمهور بضم الراء خالصا ، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب ، وإبراهيم
« رُدُّوا »
بكسرها خالصا ، وقد عرفت أن الفعل الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء الثلاثي المعتل العين ، إذا بني للمفعول ، نحو : قيل وبيع ، وقد تقدم ذلك . وقال :
1905 - وما حلّ من جهل حبى حلمائنا * ولا قائل المعروف فينا يعنّف
بكسر الحاء . وقوله :
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
« 2 » تقدم الكلام على هذه الجملة ، هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله :
« يا لَيْتَنا »
.
قوله :
وَقالُوا .
هل هذه الجملة معطوفة على جواب
« لَوْ »
والتقدير : ولو ردّوا لعادوا ولقالوا ، أو هي مستأنفة ليست داخلة في حيّز
« لَوْ »
، أو هي معطوفة على قوله :
« وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
ثلاثة أوجه ، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والأخير ، فإنّه قال .
« وَقالُوا »
عطف على
« لَعادُوا »
أي : لو ردّوا لكفروا ، ولقالوا : إن هي إلا حياتنا الدنيا ، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة ، ويجوز أن يعطف على قوله :
« وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ »
على معنى : وإنّهم لقوم كاذبون في كل شيء .
« والوجه الأول منقول عن ابن زيد ، إلّا أن ابن عطية رده ، فقال : وتوقيف اللّه لهم في الآية بعدها على البعث ، والإشارة إليه في قوله :
أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ
« 3 » يرد على هذا التأويل » . وقد يجاب « 4 » عن هذا باختلاف الحالين ، فإنّ إقرارهم بالبعث حقيقة إنما هو في الآخرة ، وإنكارهم ذلك إنما هو في الدنيا بتقدير عودهم إلى الدنيا ، فاعترافهم به في الدار الآخرة غير مناف لإنكارهم إياه في الدنيا . قوله :
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا
« إِنْ »
نافية ، و
« هِيَ »
مبتدأ ، و
« حَياتُنَا »
خبرها ، ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات ، و
« هِيَ »
ضمير مبهم يفسره خبره ، أي : لا يعلم ما يراد به إلّا بذكر خبره ، وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظا ورتبة ، وقد قدمت ذلك عند قوله :
فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
« 5 » ، وكون هذا مما يفسره ما بعده لفظا ورتبة فيه نظر ، إذ لقائل أن يقول :
هامش
( 1 ) انظر البحر ( 4 / 103 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 30 ) .
( 4 ) انظر البحر ( 4 / 104 ) .
( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 29 ) .