الأنباري خرج النصب على وجهين :
أحدهما : أن الواو بمعنى الفاء . قال أبو بكر : في نصب
« نُكَذِّبَ »
وجهان :
أحدهما : أن الواو مبدلة من الفاء ، والتقدير : يا ليتنا نردّ فلا نكذّب ونكون ، فتكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله :
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
« 1 » توكيد هذا قراءة ابن مسعود وابن أبي إسحاق : « يا ليتنا نردّ فلا نكذّب » . بالفاء منصوبا .
والوجه الآخر : النصب على الظرف ، ومعناه الحال ، أي : يا ليتنا نردّ غير مكذبين » . وأما قراءة ابن عامر برفع الأول ، ونصب الثاني فظاهرة مما تقدم ، لأن الأول يرتفع على حد ما تقدم من التأويلات ، وكذلك نصب الثاني يتخرج على ما تقدم ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه ، إلّا أن المنصوب يحتمل أن يكون من تمام قوله :
« نُرَدُّ »
، أي : تمنوا الرّدّ مع كونهم من المؤمنين . وهذا ظاهر إذا جعلنا
« وَلا نُكَذِّبَ »
معطوفا على
« نُرَدُّ »
أو حالا منه . وأما إذا جعلنا
« وَلا نُكَذِّبَ »
مستأنفا فيجوز ذلك أيضا ، ولكن على سبيل الاعتراض ، ويحتمل أن يكون من تمام
« وَلا نُكَذِّبَ »
أي : لا يكون منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين ، ويكون قوله : « ولا نكذّب حينئذ على حاله ، أعني من احتماله العطف على
« نُرَدُّ »
، أو الحالية ، أو الاستئناف ، ولا يخفى حينئذ دخول كونهم من المؤمنين في التمني ، وخروجه منه بما قررته لك . وقرىء « 2 » شاذا عكس قراءة ابن عامر ، أي : بنصب « نكذّب » ، ورفع « نكون » ، وتخريجها على ما تقدم ، إلا أنها يضعف فيها جعل
« وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
حالا ، لكونه مضارعا مثبتا إلّا بتأويل بعيد ، كقوله :
1904 - . . . * نجوت وأرهنهم مالكا « 3 »
أي : وأنا أرهنهم ، وقولهم : قمت وأصك عينه « 4 » ، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءة أبيّ : « ونحن نكون من المؤمنين » .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 28 إلى 29 ]
بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 28 ) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 )
قوله :
بَلْ بَدا .
بل هنا لانتقال من قصة إلى أخرى ، وليست للإبطال ، وعبارة بعضهم توهم أن فيها إبطالا لكلام الكفرة ، فإنّه قال :
« بَلْ »
رد لما تمنوه ، أي : ليس الأمر على ما قالوه ، لأنهم لم يقولوا ذلك رغبة في الإيمان ، بل قالوه « إشفاقا من العذاب ، وطمعا في الرحمة » . قال الشيخ : « ولا أدري ما هذا الكلام » . قلت : ولا أدري ما وجه عدم الدراية منه ، وهو كلام صحيح في نفسه ، فإنهم لما قالوا : يا ليتنا ، كأنهم قالوا تمنينا ، ولكن هذا التمني ليس بصحيح ، لأنهم إنما
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، آية ( 58 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 102 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) الصّكّ : الضرب الشديد بالشيء العريض ، وقيل : هو الضرب عامة بأي شيء كان . اللسان : صكك 2474 .