« لِيُفْسِدُوا »
. والثاني : أنه منصوب على جواب الاستفهام - كما ينصب في جوابه بعد الفاء - كقول الحطيئة :
2281 - ألم أك جاركم ويكون بيني * وبينكم المودّة والإخاء ؟ « 1 »
والمعنى : كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين ، وبين تركهم إيّاك ، وعباده آلهتك ، أي :
لا يمكن وقوع ذلك . وقرأ الحسن في رواية عنه ، ونعيم بن ميسرة « ويذرك » برفع الراء ، وفيها ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنه نسق على
« أَ تَذَرُ »
، أي : أتطلق له ذلك .
الثاني : أنه استئناف إخبار بذلك .
الثالث : أنه حال ، ولا بدّ من إضمار مبتدأ ، أي : وهو يذرك . وقرأ الحسن أيضا والأشهب العقيلي
« وَيَذَرَكَ »
بالجزم ، وفيها وجهان :
أحدهما : أنه جزم ذلك عطفا على الوهم ، كأنه توهم جزم « يفسدوا » في جواب الاستفهام ، فعطف عليه بالجزم ، كقوله :
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ
بجزم
« أَكُنْ »
.
والثاني : أنها تخفيف ، كقراءة أبي عمرو « ينصركم » وبابه . وقرأ أنس بن مالك « ونذرك » بنون الجماعة ورفع الراء ، توعدوه بذلك ، أو أن الأمر يؤول إلى ذلك ، فيكون خبرا محضا . وقرأ عبد اللّه والأعمش بما يخالف السواد ، فلا حاجة إلى ذكره . وقرأ العامة
« وَآلِهَتَكَ »
بالجمع ، وفي التفسير أنه كان يعبد آلهة متعددة ، كالبقر ، والحجارة ، والكواكب ، أو آلهته التي شرع عبادتها لهم ، وجعل نفسه الإله الأعلى في قوله :
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
« 2 » وقرأ علي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأنس ، وجماعة كبيرة « وإلاهتك » وفيها وجهان :
أحدهما : أن الإلاهة : اسم للمعبود ، ويكون المراد بها معبود فرعون ، وهي الشمس ، وفي التفسير أنه كان يعبد الشمس ، والشمس تسمى : إلاهة ، علما عليها ، ولذلك منعت الصرف ، للعلمية والتأنيث .
والثاني : أن « إلاهة » مصدر ، بمعنى : العبادة ، أي : وتذر عبادتك ، لأن قومه كانوا يعبدونه . ونقل ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان ينكر قراءة العامة ، ويقرأ « وإلاهتك » ، وكان يقول : « إن فرعون كان يعبد ولا يعبد » . قوله :
« سَنُقَتِّلُ »
قرأ نافع وابن كثير « سنقتل » بالتخفيف ، والباقون بالتضعيف ، للتكثير ، لتعدد المحال ، وسيأتي أن الجماعة قرأوا « يقتّلون أبناءكم » بالتضعيف إلّا نافعا فيخفف ، فتلخص من ذلك أن نافعا يقرأ الفعلين بالتخفيف ، وابن كثير يخفف
« سَنُقَتِّلُ »
، ويثقل « يقتّلون » ، والباقون يثقلونهما .
قوله :
يُورِثُها .
في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها وجهان :
أحدهما : الجلالة ، أي : هي له حال كونه مورّثا لها من يشاؤه .
والثاني : أنه الضمير المستتر في الجار ، أي : أن الأرض مستقرة للّه حال كونها مورثة من اللّه لمن يشاء ، ويجوز
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سورة النازعات ، آية ( 15 ) .