قوله :
رَبِّ مُوسى .
يجوز أن يكون نعتا ل « ربّ العالمين » ، وأن يكون بدلا ، وأن يكون عطف بيان ، وفائدة ذلك نفي توهم من يتوهم أن « رب العالمين » قد يطلق على غير اللّه تعالى ، لقول فرعون :
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
. وقدّموا موسى في الذكر على
« هارُونَ »
، وإن كان هارون أسنّ منه ، لكبره في الرتبة ، أو لأنه وقع فاصلة هنا ، ولذلك قال في سورة طه :
بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى ،
لوقوع
« مُوسى »
فاصلة ، أو لكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين ، فنسب فعل البعض إلى المجموع في سورة ، وفعل بعض آخر إلى المجموع في أخرى .
قوله :
آمَنْتُمْ .
اختلف القراء في هذا الحرف هنا ، وفي طه ، وفي الشعراء ، فبعضهم جرى على منوال واحد ، وبعضهم قرأ في موضع بشيء لم يقرأ به في غيره . فأقول : إنّ القراء في ذلك على أربع مراتب :
الأولى : قراءة الأخوين وأبي بكر عن عاصم ، وهي بتحقيق الهمزتين في السور الثلاث من غير إدخال ألف بينهما ، وهو استفهام إنكار ، وأما الألف الثالثة فالكل يقرأونها كذلك ، لأنها هي فاء الكلمة ، أبدلت لسكونها بعد همزة مفتوحة ، وذلك أن أصل هذه الكلمة : أأأمنتم بثلاث همزات ، الأولى للاستفهام ، والثانية همزة أفعل ، والثالثة فاء الكلمة ، فالثالثة يجب قلبها ألفا ، لما عرفته أول هذا الموضوع . وأما الأولى فمخففة ليس إلّا ، وأما الثانية فهي التي فيها الخلاف بالنسبة إلى التحقيق والتسهيل .
الثانية قراءة حفص ، وهي :
« آمَنْتُمْ »
بهمزة واحدة ، بعدها الألف المشار إليها في جميع القرآن . وهذه القراءة تحتمل الخبر المحض المتضمن للتوبيخ ، وتحتمل الاستفهام المشار إليه ، ولكنه حذف لفهم المعنى ، ولقراءة الباقين .
الثالثة : قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزّي عن ابن كثير ، وهي تحقيق الأولى ، وتسهيل الثانية بين بين والألف المذكورة ، وهو استفهام إنكار ، كما تقدم .
الرابعة : قراءة قنبل عن ابن كثير ، وهي التفرقة بين السور الثلاث ، وذلك أنه قرأ في هذه السورة حال الابتداء ب « أآمنتم » بهمزتين ، أولاهما محققة ، والثانية مسهلة بين بين ، وألف بعدها ، كقراءة رفيقه البزّي . وحال الوصل يقرأ : « قال فرعون : وآمنتم » . بإبدال الأولى واوا ، وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها ، وذلك أن الهمزة إذا كانت مفتوحة بعد ضمة جاز إبدالها واوا ، سواء كانت الضمة والهمزة في كلمة واحدة ، نحو : جؤن و « يؤاخذكم » و « مؤجّلا » ، أم في كلمتين ، كهذه الآية ، وقد فعل مثل ذلك أيضا في سورة الملك في قوله : إليه النّشور وأمنتم ، فأبدل الهمزة الأولى واوا ، لانضمام ما قبلها حال الوصل . وأما في الابتداء فيخففها لزوال الموجب