قوله :
أَنْ أَفِيضُوا .
كأخواتها من احتمال التفسير والمصدرية . و
« مِنَ الْماءِ »
متعلّق ب
« أَفِيضُوا »
على أحد وجهين ، إمّا على حذف مفعوله ، أي : شيئا من الماء ، فهي تعبيضية ، طلبوا منهم البعض اليسير ، وإمّا على تضمين
« أَفِيضُوا »
معنى ما يتعدى ب
« مِنَ »
، أي : أنعموا منه بالفيض . وقوله :
أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ
« أَوْ »
هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين ، إما تخييرا ، أو إباحة ، أو غير ذلك مما يليق بها ، وعلى هذا يقال : كيف قيل :
« حَرَّمَهُما »
، فأعيد الضمير مثنى ، وكان من حق من يقول : إنها لأحد الشيئين أن يعود مفردا على ما تقرر غير مرة ؟ وقد أجابوا بأن المعنى : « حرّم كلّا منهما . وقيل : إنّ
« أَوْ »
بمعنى « الواو » ، فعود الضمير واضح عليه . و
« مِمَّا »
: « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية ، وهو الظاهر ، والعائد محذوف ، أي : أو من الذي رزقكموه اللّه ، ويجوز أن تكون مصدرية ، وفيه مجازان :
أحدهما : أنهم طلبوا منهم إفاضة نفس « الرزق » مبالغة في ذلك .
والثاني : أن يراد بالمصدر : اسم المفعول ، كقوله :
كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ
« 1 » في أحد وجهيه . وقال الزمخشري :
« أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ »
من غيره من الأشربة ، لدخوله في حكم الإفاضة . ويجوز أن يراد : أو ألقوا علينا مما رزقكم اللّه من الطعام والفاكهة ، كقوله :
2219 - علفتها تبنا وماء باردا « 2 »
قال الشيخ « 3 » : « وقوله : « أو ألقوا علينا ممّا رزقكم اللّه من الطعام والفاكهة » يحتمل وجهين ، أحدهما : أن يكون قوله :
« أَفِيضُوا »
ضمن معنى : ألقوا علينا من الماء ، أو ممّا رزقكم اللّه ، فيصح العطف . ويحتمل - وهو الظاهر من كلامه - أن يكون أضمر فعلا بعد
« أَوْ »
يصل إلى
« مِمَّا رَزَقَكُمُ »
، وهو « ألقوا » ، وهما مذهبان للنحاة فيما عطف على شيء بحرف عطف ، والفعل لا يصل إليه ، والصحيح منهما التضمين ، لا الإضمار » . قلت : يعني الزمخشري أن الإضافة أصل استعمالها في الماء ، وما جرى مجراه من المائعات ، فقوله : « أو من غيره من الأشربة » تصحيح لتسلط الإفاضة عليه ، لأنه لو حمل « ما رزقكم اللّه » على الطعام والفاكهة لم يحسن نسبة الإفاضة إليهما إلّا بتجوز ، فذكر وجه التجوز بقوله : « ألقوا » ، ثم فسّره الشيخ بما ذكر ، وهو كما قال ، فإن العلف لا يسند إلى الماء ، فقوله : إمّا بالتضمين ، أي : تعديها ، ومثله :
2220 - . . . * وزجّجن الحواجب والعيونا « 4 »
وقوله :
2221 - يا ليت زوجك قد غدا * متقلّدا سيفا ورمحا « 5 »
وقوله تعالى :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ
« 6 » ، وقد مضى من هذا جملة صالحة « 7 » . وزعم بعضهم أن
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 60 ) .
( 2 ) تقدم .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 305 ) .
( 4 ) تقدم .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) سورة الحشر ، آية ( 9 ) .
( 7 ) سورة الأنعام ، آية ( 41 ) .