عيسى بن عمر والعباس بن الفضل ، وسهل بن شعيب ،
« إِنَّهُمُ »
بفتح الهمزة ، وهي نصّ في العلية ، أي : حقّت عليهم الضلالة ، لاتخاذهم الشياطين أولياء . ولم يسند الإضلال إلى ذاته المقدسة ، وإن كان هو الفاعل لها ، تحسينا للفظ ، وتعليما لعباده الأدب ، وعليه :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
« 1 » .
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 32 ]
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 )
قوله :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ .
استفهام معناه : التوبيخ والإنكار ، وإذا كان للإنكار فلا جواب له ، إذ لا يراد به استعلام ، ولذلك نسب مكي إلى الوهم في زعمه أن قوله :
« قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
. . . إلى آخره » جوابه . وقوله :
مِنَ الرِّزْقِ
حال من
« الطَّيِّباتِ »
. قوله :
« خالِصَةً »
قرأها نافع رفعا ، والباقون نصبا . فالرفع من وجهين ، أحدهما أن تكون مرفوعة على المبتدأ ، وهو :
« هِيَ »
. و
« لِلَّذِينَ آمَنُوا »
متعلّق ب
« خالِصَةً »
، وكذلك
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. وقال مكي : « ويكون قوله :
« لِلَّذِينَ »
تبيينا . قلت : فعلى هذا تتعلق بمحذوف ، كقولهم : سقيا لك ، وجدعا له . و
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
متعلّق ب
« آمَنُوا »
، والمعنى : قل الطيبات خالصة للمؤمنين في الدّنيا ، يوم القيامة ، أي : تخلص يوم القيامة لمن آمن في الدنيا ، وإن كانت مشتركا فيما بينهم وبين الكفار في الدّنيا ، وهو معنى حسن . وقيل : المراد بخلوصها لهم يوم القيامة أنهم لا يعاقبون عليها ، وإلى تفسير هذا نحا سعيد بن جبير . الثاني : أن يكون خبرا بعد خبر ، والحبر الأول قوله :
« لِلَّذِينَ آمَنُوا »
. و
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
على هذا متعلّق بما تعلق به الجار من الاستقرار المقدر . و
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
معمول ل
« خالِصَةً »
، كما مرّ في الوجه قبله ، والتقدير : قل : الطيبات مستقرة وكائنة للذين آمنوا في الحياة الدنيا ، وهي خالصة لهم يوم القيامة ، وإن كانوا في الدنيا يشاركهم الكفار فيها . ولما ذكر الشيخ هذا الوجه لم يعلّق
« فِي الْحَياةِ »
إلا بالاستقرار ، ولو علق ب
« آمَنُوا »
كما تقدم في الوجه قبله لكان حسنا . وكون
« خالِصَةً »
خبرا ثانيا هو مذهب الزجاج ، واستحسنه الفارسي ، ثم قال : « ويجوز عندي . . . » فذكر الوجه الأول كما قررته ، ولكن بأخصر عبارة . والنصب من وجه واحد ، وهو الحال ، و
« لِلَّذِينَ آمَنُوا »
خبر
« هِيَ »
، فيتعلق بالاستقرار المقدّر ، وسيأتي أنه باستقرار خاصّ في بعض التقادير عند بعضهم . و
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
على ما تقدم من تعلقه ب
« آمَنُوا »
، أو بالاستقرار المتعلق به
« لِلَّذِينَ »
. و
« يَوْمَ الْقِيامَةِ »
متعلّق أيضا ب
« خالِصَةً »
، والتقدير : قل : الطيبات كائنة أو مستقرة للمؤمنين في الحياة حال كونهم مقدّرا خلوصها لهم يوم القيامة . وسمّي الفراء نصبها : على القطع ، فقال :
« خالِصَةً »
نصب على القطع ، وجعل خبر
« هِيَ »
في اللام التي في قوله :
« لِلَّذِينَ »
. قلت : يعني بالقطع :
الحال . وجوز أبو علي أن يتعلق
« فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
بمحذوف على أنه حال ، والعامل فيها ما يعمل في
« لِلَّذِينَ آمَنُوا »
. وجوّز الفارسي ، وتبعه مكي أن يتعلّق
« فِي الْحَياةِ »
ب
« حَرَّمَ »
، والتقدير : من حرّم زينة اللّه في الحياة الدّنيا . وجوّز أيضا أن يتعلّق ب
« الطَّيِّباتِ »
. وجوّز الفارسي وحده أن يتعلّق ب
« الرِّزْقِ »
. ومنع مكي ذلك ، قال :
« لأنك قد فرقت بينهما بقوله :
« قُلْ : هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
. يعني أن
« الرِّزْقِ »
مصدر ، فالمتعلق به من تمامه ، كما هو
هامش
( 1 ) سورة النحل ، آية ( 9 ) .