تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
« قُلْ »
مع
« أَقِيمُوا »
ليحقق عطفيته على
« أَمَرَ رَبِّي »
. ويجوز أن يكون قوله :
« وَأَقِيمُوا »
معطوفا على أمر محذوف ، تقديره : قل : أقبلوا وأقيموا . وقال الجرجاني صاحب النظم : « نسق الأمر على الخبر ، وجاز ذلك ، لأن قوله :
« قُلْ أَمَرَ رَبِّي »
قول ، لأن الأمر لا يكون إلا كلاما ، والكلام قول ، وكأنه قال : قل : يقول ربّي : « أقسطوا وأقيموا » . يعني أنه عطف على المعنى . و
« مَسْجِدٍ »
هذا يحتمل أن يكون مكانا وزمانا . قال الزمخشري : « في وقت كلّ سجود ، وفي مكان كلّ سجود » . وكان من حقّ
« مَسْجِدٍ »
: « مسجد » بفتح العين ، لضمها في المضارع ، وله في هذا أخوات كثيرة مذكورة في التصريف . وقوله :
« مُخْلِصِينَ »
حال من فاعل
« ادْعُوهُ »
، و
« الدِّينَ »
مفعول به الفاعل ، و
« لَهُ »
متعلّق ب
« مُخْلِصِينَ »
، ويجوز أن يتعلق محذوف على أنه حال من
« الدِّينَ »
. قوله :
« كَما بَدَأَكُمْ »
الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، تقديره : تعودون عودا مثل ما بدأكم . وقيل : تقديره : تخرجون خروجا مثل ما بدأكم ، ذكرهما مكي . والأول أليق بلفظ الآية الكريمة . وقال ابن الأنباري : موضع الكاف في
« كَما »
نصب ب
« تَعُودُونَ »
، وهو على مذهب العرب في تقديم مفعول الفعل عليه ، أي : تعودون كما ابتدأ خلقكم . قال الفارسي :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »
ليس على ظاهره ، إذ ظاهره : تعودون على البدء ، وليس المعنى تشبيههم بالبدء ، إنما المعنى على إعادة الخلق كما ابتدىء ، فتقدير :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ »
: كما بدأ خلقكم ، أي : يجيء خلقكم عودا كبدئه ، وكما أنه لم يعن بالبدء ظاهره من غير حذف المضاف إليه ، كذلك لم يعن بالعود من غير حذف المضاف الذي هو الخلق ، فما حذف قام المضاف إليه مقام الفاعل ، فصار الفاعلون مخاطبين ، كما أنه لما حذف المضاف من قوله : « كما بدأ خلقكم » صار المخاطبون مفعولين في اللفظ » . قلت : يعني أن الأصل كما بدأ خلقكم يعود خلقكم ، ففحذف الخلق في الموضعين ، فصار المخاطبون في الأول مفعولين ، بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة ، وفي الثاني صاروا فاعلين بعد أن كانوا مجرورين بالإضافة أيضا . و « بدأ - بالهمز - : أنشأ واخترع ، ويستعمل بهذا المعنى ثلاثيا ورباعيا على « أفعل » ، فالثلاثي كهذه الآية ، وقد جمع بين الاستعمالين في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ
« 1 » فهذا من أبدأ ، ثم قال :
كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ،
هذا فيما يتعدى بنفسه ، وأما ما يتعدى بالباء نحو : بدأت بكذا بمعنى : قدمته وجعلته أول الأشياء ، يقال منه : بدأت به ، وابتدأت به . وحكى الراغب أيضا أنه يقال من هذا أبدأت به على أفعل - وهو غريب - ، وقولهم : أبدأت من الأرض كذا ، أي : ابتدأت منها بالخروج . والبدء السّيّد ، سمّي بذلك قيل : لأنه يبدأ به العدّ ، إذا عدّ السادات ، وذكروا : وعليه قوله :
2197 - فجئت قبورهم بدءا ولمّا * فناديت القبور فلم يجبنه « 2 »
أي : جئت قبور قومي سيدا ، ولم أكن سيدا ، لكن بموتهم صرت سيّدا ، وهذا نظير قول الآخر :
2198 - خلت الدّيار فسدت غير مسوّد * ومن العناء تفرّدي بالسّود « 3 »
و « ما » مصدرية ، أي : كبدئكم .
هامش
( 1 ) سورة العنكبوت ، آية ( 19 ) . ( 2 ) انظر البيت في الهمع ( 2 / 57 ) ، المغني ( 1 / 80 ) ، الصاحبي ( 219 ) ، الأشموني ( 4 / 6 ) ، اللسان ( لمم ) الخزانة ( 10 / 113 ) . ( 3 ) انظر البيت في شرح الحماسة ( 2 / 807 ) ، أمالي المرتضى ( 1 / 388 ) .