تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
هو نهي للشيطان في الصورة ، والمراد نهى المخاطبين عن متابعته والإصغاء إليه . وقد تقدم معنى ذلك في قوله تعالى :
فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ
« 1 » . وقرأ ابن وثاب وإبراهيم
« لا يَفْتِنَنَّكُمُ »
بضم حرف المضارعة من « أفتنه » بمعنى حمله على الفتنة . وقرأ زيد بن علي « لا يفتنكم » بغير نون توكيد . قوله :
« كَما أَخْرَجَ »
نعت لمصدر محذوف ، أي : لا يفتننّكم فتنة مثل فتنة إخراج أبويكم . ويجوز أن يكون التقدير : لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم . وقوله :
« يَنْزِعُ »
جملة في محل نصب على الحال ، وفي صاحبها احتمالان : أحدهما : أنه الضمير في
« أَخْرَجَ »
العائد على الشيطان . والثاني : أنه « الأبوين » ، وجاز الوجهان ، لأن المعنى يصح على كلّ من التقديرين ، والصناعة مساعدة لذلك ، فإنّ الجملة مشتملة على ضمير الأبوين ، وعلى ضمير الشيطان . قال الشيخ « 2 » : « فلو كان بدل
« يَنْزِعُ »
: « نازعا » تعين الأول ، لأنه إذ ذاك لو جوّز الثاني لكان وصفا جرى على غير من هو له ، فكان يجب إبراز الضمير ، وذلك على مذهب البصريين » . قلت : يعني أنه يفرق بين الاسم والفعل إذا جريا على غير من هما له في المعنى . فإن كان اسما كان مذهب البصريين ما ذكر ، وإن كان فعلا لم يحتج إلى ذلك ، وقد تقدم لك الكلام على هذه المسألة ، وأن ابن مالك سوى بينهما ، وأن مكيا له فيها كلام مشكل . و
« يَنْزِعُ »
جيء بلفظ المضارع ، على أنه حكاية حال ، لأنها قد وقعت وانقضت . والنّزع : الجذب للشيء بقوة عن مقرّه ، ومنه :
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
« 3 » ، ومنه نزع القوس ، ويستعمل في الأعراض ، ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب . ونزع فلان كذا : سلبه ، ومنه :
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً
« 4 » . لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة ، ومنه المنازعة ، وهي : المخاصمة . والنزع عن الشيء : كفّ عنه . والنزوع : الاشتياق الشديد ، ومنه : نزع إلى وطنه ، ونزع إلى مذهب كذا نزعة وأنزع القوم : نزعت إبلهم إلى مواطنها . ورجل أنزع ، أي : زال شعره . والنزعتان : بياض يكتنف الناصية . والنزعة أيضا : الموضع من رأس الأنزع . ولا يقال : امرأة نزعاء ، إذا كان بها ذلك ، بل يقال : زعراء . وبئر نزوع ، أي قريبة القعر ، لأنها ينزع منها باليد . قوله :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ
« هُوَ »
تأكيد للضمير المتصل ، ليسوغ العطف عليه ، كذا عبارة بعضهم . قال الواحدي : « إنّه أعاد الكناية ، ليحسن العطف ، كقوله :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ *
« 5 » . قلت : ولا حاجة إلى التأكيد في مثل هذه الصورة ، لصحة العطف ، إذ الفاصل هنا موجود وهو كاف في صحة العطف ، فليس نظير :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ . *
وقد تقدم لك بحث في
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ، *
وهو أنه ليس من باب العطف على الضمير ، لمانع ذكر ثمّة و
« قَبِيلُهُ »
المشهور قراءته بالرفع ، نسقا على الضمير المستتر ، ويجوز أن يكون نسقا على اسم « إنّ » على الموضع ، عند من يجير ذلك ، ولا سيما عند من يقول : يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع ، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر ، فتحصل في رفعه ثلاثة أوجه . وقرأ اليزيدي « وقبيله » نصبا ، وفيها تخريجان : أحدهما : أنه منصوب نسقا على اسم « إنّ » لفظا ، إن قلنا : إنّ الضمير عائد على الشيطان ، وهو الظاهر .
هامش
( 1 ) الآية ( 2 ) من هذه السورة . ( 2 ) انظر البحر ( 4 / 283 ) . ( 3 ) سورة القمر ، آية ( 20 ) . ( 4 ) سورة النازعات ، آية ( 1 ) . ( 5 ) آية ( 35 ) .