فالكلام في قوة حذف موصوف وإقامة صفته مقامه ، فالتقدير : ولباسا ريشا ، أي : ذا ريش . والريش فيه قولان :
أحدهما : أنه اسم لهذا الشيء المعروف . والثاني : أنه مصدر ، يقال : راشه يريشه ريشا ، إذا جعل فيه الرّيش ، فينبغي أن يكون « الريش » مشتركا بين المصدر والعين . وهذا هو التحقيق . وقرأ عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسّلميّ وعلي بن الحسين وابنه زيد وأبو رجاء وزر بن حبيش ، وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما « ورياشا » .
وفيها تأويلان :
أحدهما : - وبه قال الزمخشري - : أنه جمع « ريش » ، ك « شعب ، وشعاب » .
والثاني : أنه مصدر أيضا ، فيكون « ريش ، ورياش » مصدرين راشه اللّه ريشا ، ورياشا ، أي : أنعم عليه .
وقال الزجاج : « هما اللباس » . فعلى هذا هما إسمان للشيء الملبوس ، كما قالوا : لبس ولباس . قلت : وجوّز الفراء أن يكون « رياش » جمع « ريش » ، وأن يكون مصدرا ، فأخذ الزمخشري بأحد القولين ، وغيره بالآخر ، وأنشدوا :
2192 - فريشي منكم وهواي معكم * وإن كانت زيارتكم لماما « 1 »
قوله :
« وَلِباسُ التَّقْوى »
قرأ نافع وابن عامر والكسائي « لباس » بالنصب ، والباقون
« لِباسُ »
بالرفع . فالنصب نسقا على
« لِباساً »
، أي : أنزلنا لباسا مواريا وزينة ، وأنزلنا أيضا لباس التّقوى . وهذا يقوي كون
« رِيشاً »
صفة ثانية ل لباسا » الأول ، إذ هو أراد أنه صفة
« لِباسُ »
ثان لأبرز موصوفه ، كما أبرز هذا اللباس المضاف للتقوى . وأما الرفع فمن خمسة أوجه :
أحدها : أن يكون
« لِباسُ »
مبتدأ ، و
« ذلِكَ »
مبتدأ ثان ، و
« خَيْرٌ »
خبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول ، والرابط هنا اسم الإشارة ، وهو أحد الروابط الخمسة المتفق عليها ، ولنا سادس فيه خلاف تقدم التنبيه عليه . وهذا الوجه هو أوجه الأعاريب في هذه الآية .
الثاني : أن يكون
« لِباسُ »
خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهو لباس التّقوى ، وهذا قول أبي إسحاق ، وكأن المعنى بهذه الجملة التفسير للباس المتقدم ، وعلى هذا فيكون قوله :
« ذلِكَ »
جملة أخرى من مبتدأ وخبر . وقدره مكي بأحسن من تقدير الزجاج ، فقال : « وستر العورة لباس التّقوى » .
الثالث : أن يكون
« ذلِكَ »
فصلا بين المبتدأ وخبره ، وهذا قول الحوفي . ولا أعلم أحدا من النحاة أجاز ذلك ، إلا أنّ الواحدي قال : « ومن قال : إنّ
« ذلِكَ »
لغو لم يكن على قوله دلالة ، لأنه يجوز أن يكون على أحد ما ذكرنا » .
قلت : فقوله : « لغو » هو قريب من القول بالفصل ، لأن الفصل لا محل له من الإعراب ، على قول جمهور النحويين من البصريين والكوفيين .
الرابع : أن يكون
« لِباسُ »
مبتدأ ، و
« ذلِكَ »
بدل منه ، أو عطف بيان له ، أو نعت ، و
« خَيْرٌ »
خبره ، وهو معنى قول الزجاج وأبي علي وأبي بكر بن الأنباري ، إلا أن الحوفي قال : « وأنا أرى ألا يكون » ذلك « نعتا » ل
« لِباسُ التَّقْوى »
، لأن الأسماء المبهمة أعرف مما فيه الألف واللام ، وما أضيف إلى الألف واللام ، وسبيل النعت أن يكون
هامش
( 1 ) تقدم .