يمدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
2189 - من قبلها طبت في الظّلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق « 1 »
يشير إلى الجنة ، أي : حيث يخرز ويطابق بعضها فوق بعض . قوله :
« عَلَيْهِما »
.
قال الشيخ « 2 » : « الأولى أن يعود الضمير في
« عَلَيْهِما »
على عورتيهما ، كأنه قيل : يخطفان على سوأتيهما ، وعاد بضمير الاثنين ، لأن الجمع يراد به اثنان ، ولا يجوز أن يعود الضمير على آدم وحواء ، لأنه تقرر في علم العربية أنه لا يتعدى فعل الظاهر والمضمر المتصل إلى الضمير المتصل المنصوب لفظا أو محلا في غير باب « ظن ، فقد ، وعدم ، ووجد ، لا يجوز : زيد ضربه ، ولا ضربه زيد ، ولا زيد مرّ به ، ولا مرّ به زيد ، فلو جعلنا الضمير في
« عَلَيْهِما »
عائدا على « آدم وحواء » للزم من ذلك تعدى « يخصف » إلى الضمير المنصوب محلا ، وقد رفع الضمير المتصل ، وهو الألف في
« يَخْصِفانِ »
، فإنّ أخذ ذلك على حذف مضاف مراد جاز ذلك ، وتقديره : « يخصفان على بدنيهما » . قلت : ومثل ذلك فيما ذكر :
وَهُزِّي إِلَيْكِ
« 3 » ،
وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ
« 4 » ، وقول الشاعر :
2190 - هوّن عليك فإنّ الأمور * بكفّ الإله مقاديرها « 5 »
وقوله أيضا :
2191 - دع عنك نهبا صيح في حجراته * ولكن حديث ما حديث الرّواحل « 6 »
« مِنْ وَرَقِ »
يحتمل أن تكون
« مِنْ »
لابتداء الغاية ، وأن تكون للتبعيض . وقرأ أبو السّمّال
« وَطَفِقا »
بفتح الفاء ، وهي لغة كما تقدم . وقرأ الزهري « يخصفان » ، بضم حرف المضارعة من « أخصف » ، وهي تحتمل وجهين :
أحدهما : أن يكون أفعل بمعنى فعل .
والثاني : أن تكون الهمزة للتعدية ، والمفعول على هذا محذوف ، أي : يخصفان أنفسهما ، أي : يجعلان أنفسهما خاصفين . وقرأ الحسن ، والأعرج ، ومجاهد ، وابن وثاب « يخصّفان » بفتح الياء وكسر الخاء والصاد مشددة ، والأصل : يختصفان ، فأدغمت التاء في الصاد ، ثم اتبعت الخاء للصاد في حركتها ، وسيأتي لهذه القراءة نظير في يونس ، ويس ، نحو :
يَهْدِي
« 7 » ، و
« يَخِصِّمُونَ
« 8 » . وروى محبوب عن الحسن كذلك ، إلا أنه فتح الخاء ، فلم يتبعها للصاد ، وهي قراءة يعقوب أيضا ، وبان بريدة . وقرأ عبد اللّه « يخصّفان » بضم الياء والخاء وكسر الصاد مشددة ، وهي من « خصّف » بالتشديد ، إلا أنه أتبع الخاء للياء قبلها في الحركة ، وهي قراءة عسرة النطق . ويدل على أن أصلها من خصّف بالتشديد قراءة بعضهم كذلك ، إلا أنه يفتح الخاء على أصلها . قوله :
« أَ لَمْ أَنْهَكُما »
هذه الجملة في محل نصب بقول مقدر ، ذلك القول حال ، تقديره : وناداهما قائلا ذلك ولم يصرّح هنا باسم
هامش
( 1 ) انظر البيت في ابن الشجري ( 2 / 337 ) ، أمالي الزجاجي ( 65 ) ، اللسان ( خصف ) حاشية الشهاب ( 4 / 159 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 280 ) .
( 3 ) سورة مريم ، آية ( 25 ) .
( 4 ) سورة القصص ، آية ( 32 ) .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) انظر ديوانه ( 94 ) ، المقرب ( 1 / 195 ) ، الصاحبي ( 18 ) ، اللسان ( حجر ) .
( 7 ) سورة يونس ، آية ( 35 ) .
( 8 ) سورة يس ، آية ( 49 ) .