الباء هنا للتعدية ، وكذا في
« بِخَيْرٍ »
، والمعنى : وإن يمسسك اللّه الضر ، أي : يجعلك ماسا له ، وإذا مسست الضرّ فقد مسّك ، إلا أن التعدية بالباء في الفعل المتعدي قليلة جدا ، ومنه قولهم : صككت أحد الحجرين بالآخر .
وقال الشيخ « 1 » : ومنها قوله :
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
« 2 » . وقال الواحدي : إن قيل : إنّ المسّ من صفة الأجسام ، فكيف قال :
« وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ »
؟ فالجواب : أن الباء هنا للتعدية ، والباء والألف يتعاقبان في التعدية ، والمعنى : إن أمسك اللّه ضرّا ، أي جعله ماسّك ، فالفعل للضرّ ، وإن كان في الظاهر قد أسند إلى اسم اللّه تعالى ، كقولك : ذهب زيد بعمرو كان الذهاب فعلا ل « عمرو » ، غير أن زيدا هو المسبب له ، والحامل عليه كذلك ههنا المسّ للضرّ ، واللّه تعالى جعله ماسّا . قوله :
فَلا كاشِفَ لَهُ . . .
« لَهُ »
خبر « لا » ، وثمّ محذوف تقديره : فلا كاشف له عنك ، وهذا المحذوف ليس متعلقا ب
« كاشِفَ »
إذ كان يلزم تنوينه وإعرابه ، بل يتعلق بمحذوف ، أي أعني : عنه . و
« إِلَّا هُوَ »
فيه وجهان :
أحدهما : أنه بدل من محل « لا كاشف » ، فإنّ محله الرفع على الابتداء .
والثاني : أنه بدل من الضمير المستكن في الخبر . ولا يجوز أن يرتفع باسم الفاعل ، وهو :
« كاشِفَ »
، لأنه يصير مطولا ، ومتى كان مطولا أعرب نصبا . وكذلك لا يجوز أن يكون بدلا من الضمير المستكن في
« كاشِفَ »
للعلة المتقدمة ، إذ البدل يحل محل المبدل منه . فإن قيل : المقابل للخير هو الشر ، فكيف عدل عن لفظ الشر ؟
فالجواب : أنه أراد تغليب الرحمة على ضدها ، فأتى في جانب الشر بأخص منه ، وهو الضر ، وفي جانب الرحمة بالعام الذي هو الخير تغليبا لهذا الجانب » . قال ابن عطية : ناب الضر هنا مناب الشر ، وإن كان الشر أعم منه ، فقابل الخير ، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة ، فإنّ باب التكلف ترصيع الكلام : أن يكون الشيء مقترنا بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضاهاة ، فمن ذلك :
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
« 3 » فجاء بالجوع مع العرى ، وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرئ القيس :
كأنّي لم أركب جواد للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال « 4 »
1884 - ولم أسبأ الزّقّ الرّويّ ولم أقل * لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
ولم يوضح ابن عطية ذلك ، وإيضاحه في آية طه اشتراك الجوع والعرى في شيء خاص ، وهو الخلو ، فالجوع خلو وفراغ في الباطن ، والعرى : خلو وفراغ في الظاهر ، واشتراك الظمأ والضحاء في الاحتراق ، فالظمأ احتراق في الباطن ، ولذلك تقول : برّد الماء حرارة كبدي ، وأوار « 5 » عطشي والضحاء : احتراق الظاهر . وأما البيتان فالجامع بين الركوب للذة ، وهو الصيد ، وتبطن الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء والقهر ، والاقتناص ، والظفر بمثل هذا المركوب ، ألا ترى إلى تسميتهم هن المرأة ركبا ، بفتح الراء والكاف ، وهو فعل بمعنى مفعول كقوله :
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 87 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 251 ) .
( 3 ) سورة طه ، الآيتان ( 118 ، 119 ) .
( 4 ) انظر ديوانه ( 35 ) ، العمدة ( 1 / 259 ) ، الوساطة ( 195 ) ، حاشية الشيخ يس ( 1 / 220 ) ، والبيت الأول في التصريح ( 1 / 112 ) ، التهذيب « نبط » .
والمغني يقول : ذهب عني الشباب وتغيرت بي الحالي ، كأني لم أستلذ بالكواعب ذوات الحلى وركوب الخيل للصيد وكأني لم أشتر الزق المملوء خمرا ، ولم أعطف في إثر من انهزم من أصحابي على العدو وأكر عليهم .
( 5 ) أي شدة العطش اللسان « أور » .