وقوله :
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
« 1 » . يحتمل أن يكون من التّسخير ، وأن يكون من السّخريّة ، وقد قرىء « سخريّا ، وسخريّا » بضم السين وكسرها ، وسيأتي له مزيد بيان في موضعه إن شاء اللّه تعالى .
قوله :
ثُمَّ انْظُرُوا .
عطف على
« سِيرُوا »
ولم يجئ في القرآن العطف إلا بالفاء ، وهنا جاء ب
« ثُمَّ »
فيحتاج إلى فرق ، فذكر الزمخشري الفرق ، وهو أن جعل النظر مسببا عن السير في قوله
« فَانْظُروا » *
كأنه قيل : سيروا لأجل النظر ، ولا تسيروا سير الغافلين ، وهنا معناه إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها ، من المنافع وإيجاب النظر في آثار الهالكين ، ونبّه على ذلك ب
« ثُمَّ »
لتباعد ما بين الواجب والمباح قال الشيخ « 2 » : « وما ذكره أولا متناقض ، لأنه جعل النظر متسببا عن السير ، فكان السير سببا للنظر ، ثم قال : فكأنه قيل : سيروا لأجل النظر ، فجعل السير معلولا بالنظر ، فالنظر سبب له فتناقضا ، ودعوى أن الفاء سببية دعوى لا دليل عليها ، وإنما معناها التعقيب فقط . وأما : زنا ما عز فرجم ، ففهم السببية من قرينة غيرها . قال « 3 » : وعلى تقدير تسليم إفادتها السببية ، فلم كان السير هنا سير إباحة ، وفي غيره سير إيجاب ؟ قلت : هذا اعتراض صحيح إلا قوله : إنّ الفاء لا تفيد السببية ، فإنّه غير مرضي ، ودليله - في غير هذا الموضوع مثل هذا المكان في كون الزمخشري جعل شيئا علة ثم جعله معلولا - ما سيأتي في أول الفتح ، ويأتي هناك جوابه .
قوله :
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ . . . :
« كَيْفَ »
خبر مقدم ، و
« عاقِبَةُ »
اسمها ، ولم يؤنث فعلها ، لأن تأنيثها غير حقيقي ، ولأنها بتأويل المآل والمنتهى ، فإنّ العاقبة مصدر على وزن فاعلة وهو محفوظ في ألفاظ تقدم « 4 » ذكرها ، وهي منتهى الشيء وما يصير إليه . والعاقبة إذا أطلقت اختصت بالثواب ، قال تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
« 5 » ، وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة ، كقوله تعالى :
ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى
« 6 » ، « فكان عاقبتهما أنهما في النّار » « 7 » فصح أن تكون استعارة من هذه ، كقوله تعالى :
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 8 » وكيف : معلّقة للنظر ، فهي في محل نصب على إسقاط الخافض ، لأن معناه هنا التفكر والتدبر .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 12 ]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 )
قوله :
لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ . . .
« لِمَنْ »
خبر مقدم ، واجب التقديم ، لاشتماله على ما له صدر الكلام ، فإنّ « من » استفهامية والمبتدأ
« ما »
، وهي بمعنى الذي ، والمعنى : لمن استقر الذي في السّموات . وقوله :
قُلْ لِلَّهِ
قيل : إنما أمره أن يجيب أولا ، وإن كان المقصود أن يجيب غيره ليكون أوّل من بادر إلى الاعتراف بذلك . وقيل : لما سألهم كأنهم قالوا : لمن هو ؟
هامش
( 1 ) سورة المؤمنون ، آية ( 110 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 81 ) .
( 3 ) انظر البحر ( 4 / 81 ) .
( 4 ) انظر سورة البقرة ، آية ( 208 ) .
( 5 ) سورة الأعراف ، آية ( 128 ) .
( 6 ) سورة الروم ، آية ( 10 ) .
( 7 ) سورة الحشر ، آية ( 17 ) .
( 8 ) سورة آل عمران ، آية ( 21 ) .