فقال اللّه : قل : للّه ، ذكره الجرجاني . فعلى هذا قوله :
قُلْ لِلَّهِ
جواب للسؤال المضمر الصادر من جهة الكفار ، وهذا بعيد ، لأنهم لم يكونوا يشكّون في أنه للّه ، وإنما هذا سؤال تبكيت وتوبيخ ولو أجابوا لم يسعهم أن يجيبوا إلا بذلك . وقوله :
لِلَّهِ
خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو أو ذلك للّه . قوله :
كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ
أي : قضى وأوجب إيجاب تفضل ، لا أنه مستحق عليه تعالى وقيل : معناه القسم ، وعلى هذا فقوله :
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
جوابه ، لما ضمن معنى القسم ولى هذا فلا يوقف على قوله :
« الرَّحْمَةَ »
. وقال الزجاج : إنّ الجملة من قوله :
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
في محل نصب على أنها بدل من
« الرَّحْمَةَ »
، لأنه فسر قوله :
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
بأنه أمهلكم وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم ، فهو تفسير للرحمة . « وقد ذكر الفراء هذين الوجهين ، أعني : أن الجملة تمت عند قوله
« الرَّحْمَةَ »
، أو أنّ
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
بدل منها ، فقال : إن شئت جعلت الرحمة غاية الكلام ، ثم استأنفت بعدها
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
، وإن شئت جعلتها في موضع نصب ، كما قال :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ
« 1 » . قلت : واستشهاده بهذه الآية حسن جدا . وردّ ابن عطية هذا بأنه يلزم دخول نون التوكيد في الإيجاب ، قال : « وإنما تدخل على الأمر والنهي ، وجواب القسم . ورد الشيخ « 2 » حصر ابن عطية بورود نون التوكيد فيما ذكر . وهو صحيح . وردّ كون
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
بدلا من
« الرَّحْمَةَ »
بوجه آخر ، وهو أن
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
جواب قسم ، وجملة الجواب وحدها لا موضع لها من الإعراب ، إنما يحكم على موضع جملتي القسم والجواب بمحل الإعراب . قلت : وقد خلط مكي المذهبين ، وجعلهما مذهبا واحدا ، فقال :
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
في موضع نصب على البدل من
« الرَّحْمَةَ »
، واللام لام قسم ، فبي جواب
« كَتَبَ »
لأنه بمعنى أوجب ذلك على نفسه ، ففيه معنى القسم . وقد يظهر جواب عما أورده الشيخ على غير مكي ، وذلك أنهم جعلوا
« لَيَجْمَعَنَّكُمْ »
بدلا من
« الرَّحْمَةَ »
، يعني : هي وقسمها المحذوف ، واستغنوا عن ذكر القسم بها ، لأنها مذكورة في اللفظ ، فكأنهم قالوا : وجملة القسم في محل نصب بدلا من
« الرَّحْمَةَ »
فكما يقولون : جملة القسم ، ويستغنون به عن ذكرهم جملة الجواب ، كذلك يستغنون بالجواب عن ذكر القسم لا سيما وهو غير مذكور . وأما مكي فلا يظهر هذا جوابا له ، لأنه نصّ على أنه جواب ل
« كَتَبَ »
فمن حيث جعله جوابا ل
« كَتَبَ »
لا محل له ، ومن حيث جعله بدلا كان محله النصب فتنافيا . والذي ينبغي في هذه الآية أن يكون الوقف عند قوله
« الرَّحْمَةَ »
.
وقوله :
لَيَجْمَعَنَّكُمْ
جواب قسم محذوف ، أي : واللّه ليجمعنّكم ، والجملة القسمية لا تعلق لها بما قبلها من حيث الإعراب ، وإنّ تعلقت به من حيث المعنى ، و
« إِلى »
على بابها ، أي ليجمعنّكم منتهين إلى يوم القيامة .
وقيل : هي بمعنى اللام كقوله :
إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ
« 3 » . وقيل بمعنى « في » أي : ليجمعنّكم في يوم القيامة .
وقيل : هي زائدة ، أي : ليجمعنّكم يوم القيامة ، وقد يشهد له قراءة من قرأ :
« تَهْوِي إِلَيْهِمْ »
بفتح الواو ، إلّا أنه لا ضرورة هنا إلى ذلك .
قوله :
لا رَيْبَ فِيهِ
قد تقدم نظيره أول البقرة « 4 » . والجملة حال من
« يَوْمِ »
، والضمير في
« فِيهِ »
يعود على « اليوم » ، وقيل : يعود على الجمع المدلول عليه بالفعل لأنه رد على منكري الحشر .
قوله :
« الَّذِينَ خَسِرُوا »
فيه ستة أوجه :
هامش
( 1 ) آية ( 54 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 82 ) .
( 3 ) سورة آل عمران ، آية ( 9 ) .
( 4 ) انظر آية رقم ( 2 ) .