كثرة وروده على الحالب ، ومنه : « لا درّ درّه » ، في الدعاء عليه بقلة الخير ، وفي المثل : « سبق درّته غراره » « 1 » وهي مثل قولهم : « سبق سيله مطره » « 2 » . واستدرّت المعزى « 3 » ، كناية عن طلبها الفحل ، قالوا : لأنها إذا طلبته حملت فولدت فدرّت . قوله :
« تَجْرِي . . . »
إن جعلنا جعل تصييرية كان تجري مفعولا ثانيا ، وإن جعلناها إيجادية كان حالا . و
« مِنْ تَحْتِهِمْ »
يجوز فيه أوجه : أن يكون متعلّقا ب
« تَجْرِي »
، وهذا هو الذي ينبغي ألّا يعدل عنه ، وأن يكون ، إمّا من فاعل
« تَجْرِي »
، أو من
« الْأَنْهارَ »
، وأن يكون مفعولا ثانيا ل
« جَعَلْنَا »
، و
« تَجْرِي »
على هذا حال الضمير في الجار ، وفيه ضعف لتقدمها على العامل المعنوي ، ويجوز أن يكون
« مِنْ تَحْتِهِمْ »
حالا من
« الْأَنْهارَ »
كما تقدم ، و
« تَجْرِي »
حال من الضمير المستكن فيه ، وفيه الضعف المتقدم . قوله :
« مِنْ بَعْدِهِمْ »
متعلّق ب
« أَنْشَأْنا »
. قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون حالا من قرن لأنه ظرف زمان » . يعني أنه لو تأخر عن قرن لكان يتوهم جواز كونه صفة له فلما قدم عليه قد يوهم أن يكون حالا منه ، لكنه منع ذلك بكونه ظرف زمان ، والزمان لا يخبر به عن الجثث ، ولا يوصف به . وقد تقدم لك أنه يصح ذلك بتأويل ذكرته في البقرة عند قوله :
وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
« 4 » . و
« آخَرِينَ »
صفة ل
« قَرْنٍ »
لأنه اسم جمع كقوم ورهط ، فلذلك اعتبر معناه . ومن قال : إنه الزمان قدر مضافا ، أي : أهل قرن آخرين ، وقد قدمت أنه مرجوح .
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 9 ]
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 )
قوله :
فِي قِرْطاسٍ .
يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل « كتاب » سواء أريد ب « كتاب » المصدر ، أم الشيء المكتوب ، ويجوز أن يتعلق بنفس
« كِتاباً »
سواء أريد به المصدر أم الشيء المكتوب ، ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله :
1878 - [ بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة * أتتك من الحجّاج يتلى كتابها « 5 »
وفي النفس من جعل
« كِتاباً »
في الآية الكريمة مصدرا شيء لأن نفس الكتب لا يوصف بالإنزال إلّا بتجوز بعيد ، ولكنهم قد قالوه هنا . ويجوز أن يتعلق
« فِي قِرْطاسٍ »
ب
« نَزَّلْنا »
. و « القرطاس » : الصحيفة يكتب فيها تكون من ورق وكاغد « 6 » وغيرهما ، وهي بكسر القاف وضمها والفصيح الكسر . وقرىء بالضم شاذا ، نقله أبو البقاء . والقرطاس اسم أعجمي معرّب ، ولا يقال : قرطاس ، إلّا إذا كان مكتوبا ، وإلّا فهو طرس « 7 » وكاغد . وقال زهير :
هامش
( 1 ) مجمع الأمثال برقم ( 1796 ) 2 / 111 . الفرار : قلة اللبن ، والدّرة : كثرته أي : سبق شره خيره ، ومثله سبق مطره سيله الآتي بعد في كلام السمين .
( 2 ) انظر السابق . المثل رقم ( 1797 ) .
( 3 ) استدرّت المعزى : أرادت الفحل ، يقال للمعزى إذا أرادت الفحل : قد استدرت استدرارا ، وللضأن : قد استوبلت استيبالا ، ويقال أيضا : استذرت المعزى استذراء من المعتل ، بالذال المعجمة . اللسان : « درر » 1358 .
( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 21 ) .
( 5 ) تقدم .
( 6 ) الكاغد : القرطاس ، معرّب . ترتيب القاموس ( 4 / 62 ) ، واللسان : كغد ( 3892 ) .
( 7 ) الطّرس : الصحيفة ، ويقال : هي التي محيت ثم كتبت ، وقال ابن سيده : الطّرس . الكتاب الذي محيثم كتب . -