تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وقال مكي :
« مُصَدِّقُ الَّذِي »
نعت للكتاب ، على حذف التنوين لالتقاء الساكنين ، و
« الَّذِي »
في موضع نصب ، وإن لم يقدر حذف التنوين كان
« مُصَدِّقُ »
خبرا بعد خبر ، و
« الَّذِي »
في موضع خفض » . وهذا الذي قاله غلط فاحش ، لأن حذف التنوين إنما هو للإضافة اللفظية ، وإن كان اسم الفاعل في نية الانفصال ، وحذف التنوين لالتقاء الساكنين إنما يكون في ضرورة ، أو ندور ، كقوله :
1992 - . . . * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا « 1 »
والنحويون « 2 » كلهم يقولون - في : هذا ضارب الرّجل - : إن حذف التنوين للإضافة تخفيفا ، ولا يقول أحد منهم في مثل هذا أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين . قوله :
« وَلِتُنْذِرَ »
قرأ الجمهور بتاء الخطاب ، للرسول عليه السّلام . وأبو بكر عن عاصم بياء الغيبة ، والضمير للقرآن ، وهو الظاهر ، أي : ينذر بمواعظه وزواجره ، ويجوز أن يعود على الرسول عليه السّلام للعلم به . وهذه اللام فيها وجهان : أحدهما : هي متعلّقة ب « أنزلنا » عطفا على مقدر ، فقدره أبو البقاء : ليؤمنوا ولتنذر » ، وقدره الزمخشري ، فقال :
« وَلِتُنْذِرَ »
: معطوف على ما دلّ عليه صفة الكتاب ، كأنه قيل : أنزلناه للبركات ، ولتصديق ما تقدمه من الكتب والإنذار . والثاني : أنها متعلّقة بمحذوف متأخر ، أي : ولتنذر أنزلناه . وقوله :
أُمَّ الْقُرى
يجوز أن يكون من باب الحذف ، أي : أهل أم القرى ، وأن يكون من باب المجاز ، إطلاقلا للمحل على الحال . وأيهما أولى ؟ - أعني المجاز أو الإضمار ، للناس في المسألة ثلاثة أقوال ، تقدم بيانها ، وهذا كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
« 3 » وهناك وجه لا يمكن هنا ، وهو أنه يمكن أن يكون السؤال للقرية حقيقة ، ويكون ذلك معجزة النبي ، وهنا لا يتأتى ذلك ، وإن كانت القرية نفسها هنا تتكلم ، إلّا أن الإنذار لا يقع لعدم فائدته . وقوله :
« وَمَنْ حَوْلَها »
عطف على
« أَهْلِ » *
المحذوف ، أي : ولتنذر من حول أمّ القرى ، ولا يجوز أن يعطف على
« أُمَّ الْقُرى »
، إذ يلزم أن يكون المعنى : ولتنذر أهل من حولها ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك ، لأن
« مَنْ حَوْلَها »
يقبلون الإنذار . قال الشيخ : « ولم تحذف
« مَنْ »
فيعطف « حول » على
« أُمَّ الْقُرى »
، وإن كان يصح من حيث المعنى ، لأن حول ظرف لا يتصرف ، فلو عطف على
« أُمَّ الْقُرى »
لصار مفعولا به ، لعطفه على المفعول به ، وذلك لا يجوز ، لأن العرب لم تستعمله إلّا ظرفا » « قوله :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع بالابتداء ، وخبره :
« يُؤْمِنُونَ »
ولم يتحد المبتدأ والخبر ، لتغاير متعلقيهما ، فلذلك جاز أن يقع الخبر بلفظ المبتدأ ، وإلّا فيمتنع أن يقول : « الذي يقوم يقوم ، والّذين يؤمنون يؤمنون » ، وعلى هذا فذكر الفضلة هنا واجب ، ولم يتعرض النحويون لذلك ، ولكن تعرضوا لنظائره . والثاني : أنه منصوب عطفا على
« أُمَّ الْقُرى »
، أي : ولتنذر الّذين آمنوا ، فيكون
« يُؤْمِنُونَ »
حالا من الموصول ، وليست حالا مؤكدة ، لما تقدم لك من تسويغ وقوعه خبرا ، وهو اختلاف المتعلق . والهاء في
« بِهِ »
تعود على « القرآن » ، أو على « الرسول » .
« وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ »
حال ، وقدم
« عَلى صَلاتِهِمْ »
، لأجل
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 425 ) ، المقتضب ( 3 / 227 ) ، المغني ( 2 / 911 ) . ( 3 ) سورة يوسف ، آية ( 82 ) .