تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
لماضي الواقع حالا أضمرها هنا ، أي : وقد علّمتم . قوله :
قُلِ اللَّهُ
الجلالة يجوز فيها وجهان : أحدهما : أن تكون فاعلة بفعل محذوف ، أي : قل : أنزله اللّه ، وهذا هو الصحيح ، للتصريح بالفعل في قوله :
لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ
« 1 » . والثاني : أنه مبتدأ ، والخبر محذوف ، تقديره : اللّه أنزله ، ووجه مناسبته مطابقة الجواب للسؤال ، وذلك أن جملة السؤال اسمية ، فلتكن جملة الجواب كذلك . قوله :
فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
يجوز أن يكون
« فِي خَوْضِهِمْ »
متعلّقا ب
« ذَرْهُمْ »
، وأن يتعلق ب
« يَلْعَبُونَ »
، وأن يكون حالا من مفعول
« ذَرْهُمْ »
، وأن يكون جالا من فاعل
« يَلْعَبُونَ »
، فهذه أربعة أوجه . وأما
« يَلْعَبُونَ »
فيجوز أن يكون حالا من مفعول
« ذَرْهُمْ »
، ومن منع أن يتعدد الحال لم يجز حينئذ أن يكون
« فِي خَوْضِهِمْ »
حالا من مفعول
« ذَرْهُمْ »
، بل يجعله إمّا متعلّقا ب
« ذَرْهُمْ »
كما تقدم ، أو ب
« يَلْعَبُونَ »
، أو حالا من فاعله ، ويجوز أن يكون
« يَلْعَبُونَ »
حالا من ضمير
« خَوْضِهِمْ »
، وجاز ذلك ، لأنه في قوة الفاعل ، لأن المصدر مضاف لفاعله ، لأن التقدير : « ذرهم يخوضوا لاعبين » ، وأن يكون حالا من الضمير في
« فِي خَوْضِهِمْ »
إذ جعلناه حالا ، لأنه تضمن معنى الاستقرار ، فتكون حالا متداخلة .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 92 ]

وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ( 92 ) قوله :
وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ .
فيه دليل على تقدم الصفة غير الصريحة على الصريحة ، وأجيب عنه بأن
« مُبارَكٌ »
خبر مبتدأ مضمر ، وقد تقدم تحقيق هذا في قوله :
بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ
« 2 » . وقال الواحدي : و
« مُبارَكٌ »
خبر الابتداء ، فصل بينهما بالجملة ، والتقدير : وهذا كتاب مبارك أنزلناه ، كقوله : و
هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ
« 3 » . وهذا الذي ذكره لا يتمشى إلا على أن قوله :
« مُبارَكٌ »
خبر ثان ل
« هذا »
وهو بعيد جدا ، وإذا سلم ذلك له فيكون
« أَنْزَلْناهُ »
عنده اعتراض على ظاهر عبارته ، ولكن لا يحتاج إلى ذلك ، بل يجعل
« أَنْزَلْناهُ »
صفة ل
« كِتابٌ »
، ولا محذور حينئذ على هذا التقدير . وفي الجملة فالوجه ما قدمته لك من الإعراب . وقدم وصفه بالإنزال على وصفه بالبركة ، بخلاف قوله :
هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ ،
قالوا : لأن الأهم هنا وصفه بالإنزال ، إذ جاء عقيب إنكارهم أن ينزل اللّه على بشر من شيء ، بخلاف هناك وقعت الصفة الأولى جملة فعلية ، لأن الإنزال يتجدد وقتا فوقتا ، والثانية اسما صريحا ، لأن لاسم يدل على الثبوت والاستقرار ، وهو مقصود هنا ، أي : بركة ثابتة مستقرة . و
« مُصَدِّقُ »
صفة أيضا ، أو خبر بعد خبر ، على القول بأن
« مُبارَكٌ »
خبر لمبتدأ مضمر ، ووقع صفة للنكرة ، لأنه في نية الانفصال ، كقوله :
هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا
« 4 » :
1991 - يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم * . . . « 5 »
هامش
( 1 ) سورة الزخرف ، آية ( 9 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 54 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، آية ( 50 ) . ( 4 ) سورة الأحقاف ، آية ( 24 ) . ( 5 ) صدر بيت لجرير وعجزه :. . . * لاقى مباعدة منكم وحرماناانظر ديوانه ابن يعيش ( 3 / 51 ) ، معاني الفراء ( 2 / 15 ) .