تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 657

مساهمون:

ص٦٥٧
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
« 1 » .

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 117 إلى 118 ]

ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 117 ) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 118 ) قوله تعالى :
إِلَّا ما أَمَرْتَنِي :
هذا استثناء مفرغ فإنّ
« ما »
منصوبة بالقول ؛ لأنها وما في حيّزها في تأويل مقول . وقدّر أبو البقاء القول بمعنى الذكر والتأدية . و
« ما »
يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة . قوله :
أَنِ اعْبُدُوا
في « أن » سبعة أوجه : أحدها : أنها مصدرية في محلّ جر على البدل من الهاء من
« بِهِ »
والتقدير : ما قلت إلا ما أمرتني بأن اعبدوا ، وهذا الوجه سيأتي عليه اعتراض . والثاني : أنها في محلّ نصب بإضمار « أعني » ، أي : إنه فسّر ذلك المأمور به . والثالث : أنه في محلّ نصب على البدل من محلّ
« بِهِ »
في
« ما أَمَرْتَنِي بِهِ »
لأن محلّ المجرور نصب . والرابع : أن موضعها رفع على إضمار مبتدأ وهو قريب في المعنى من النصب على البدل . الخامس : أنها في محل جر لأنها عطف بيان على الهاء في به . السادس : أنها بدل من
« ما »
نفسها أي : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا . السابع : أنّ
« أَنِ »
تفسيرية ، أجازه ابن عطية والحوفي ومكي . وممن ذهب إلى جواز أنّ
« أَنِ »
بدل من
« ما »
فتكون منصوبة المحلّ أو من الهاء فتكون مجرورته أبو إسحق الزجاج ، وأجاز أيضا أن تكون تفسيرية لا محلّ لها . وهذه الأوجه قد منع بعضها الزمخشري ، وأبو البقاء منع منها وجها واحدا وهو أن تكون تفسيرية ، أما الزمخشري فإنه أن تكون تفسيرية إلا بتأويل ذكره وسيأتي ، وبدلا من
« ما »
أو من الهاء في
« بِهِ »
. قال - رحمه اللّه - :
« أَنِ »
في قوله :
« أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ »
إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسّر ، والمفسّر : إما أن يكون فعل القول أو فعل الأمر ، وكلاهما لا وجه له : أما فعل القول فلأنه يحكى بعده الجمل ولا يتوسّط بينه وبين محكيّه حرف تفسير ، وأما فعل الأمر فمستند إلى ضمير اللّه عزّ وجلّ ، فلو فسّرته ب
« اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ »
لم يستقم لأن اللّه لا يقول : اعبدوا اللّه ربي ربكم ، وإن جعلتها بدلا لم يخل من أن تجعلها بدلا من
« ما »
في
« ما أَمَرْتَنِي بِهِ »
أو الهاء في
« بِهِ »
وكلاهما غير مستقيم ؛ لأنّ البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه ، ولا يقال : ما قلت لهم إلا أن اعبدوا اللّه ، أي : ما قلت لهم إلا عبادته لأنّ العبادة لا تقال ، وكذلك لو جعلتها بدلا من الهاء ، لأنك لو أقمت
« أَنِ اعْبُدُوا »
مقام الهاء فقلت : إلا ما أمرتني بأن اعبدوا اللّه لبقي الموصول بغير راجع إليه من صلته ، فإن قلت : كيف تصنع ؟ قلت : يحمل فعل القول معناه ، لأنّ معنى
« ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ »
: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به ، حتى يستقيم تفسيره ب
« أَنِ اعْبُدُوا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان ( 14 - 15 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 657 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة