تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
أحدهما : أنه حال من الضمير في
« لِي »
قال : « والثاني : أن بكون مفعولا به تقديره : ما ليس يثبت لي بسبب حق ، فالباء متعلقة بالفعل المحذوف لا بنفس الجارّ ، لأنّ المعاني لا تعمل في المفعول به » . قلت : وهذا ليس بجيد لأنه قدّر متعلّق الخبر كونا مقيدا ثم حذفه وأبقى معموله . الوجه الثالث : أنّ قوله
« بِحَقٍّ »
متعلق بقوله :
« عَلِمْتَهُ »
ويكون الوقف على هذا قوله
« لِي »
والمعنى : فقد علمته بحق . وقد ردّ هذا بأن الأصل عدم التقديم والتأخير ، وهذا لا ينبغي أن يكتفى به في ردّ هذا ، بل الذي منع من ذلك أنّ معمول الشرط أو جوابه لا يتقدّم على أداة الشرط لا سيما والمرويّ عن الأئمة القرّاء الوقف على
« بِحَقٍّ »
، ويبتدئون ب
« إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ »
وهذا مرويّ عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فوجب اتّباعه . والوجه الثاني في خبر
« لَيْسَ »
أنه
« بِحَقٍّ »
، وعلى هذا ففي
« لِي »
ثلاثة أوجه : أحدها : أنه
« يَتَبَيَّنَ » *
كما في قولهم : « سقيا له » أي : فيتعلّق بمحذوف . والثاني : أنه حال من
« بِحَقٍّ »
، لأنه لو تأخّر لكان صفة له ، قال أبو البقاء : « وهذا يخرّج على قول من يجوّز تقديم حال المجرور عليه » قلت : قد تقدم لك خلاف الناس فيه وما أوردوه من الشواهد ، وفيه أيضا تقديم الحال على عاملها المعنوي ، فإنّ
« بِحَقٍّ »
هو العامل إذ
« لَيْسَ »
لا يجوز أن تعمل في شيء ، وإن قلنا : إنّ « كان » أختها قد تعمل لأن
« لَيْسَ »
لا حدث لها بالإجماع . والثالث : أنه متعلّق بنفس « حق » لأنّ الباء زائدة ، وحقّ بمعنى مستحق أي : ما ليس مستحقّا لي . قوله :
إِنْ كُنْتُ
وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى ، والتقدير : إن تصحّ دعواي لما ذكر ، وقدّره الفارسي بقوله : « إن أكن الآن قلته فيما مضى » لأنّ الشرط والجزاء لا يقعان إلا في المستقبل » . وقوله :
فَقَدْ عَلِمْتَهُ
أي : فقد تبيّن وظهر علمك به كقوله :
فَصَدَقَتْ
« 1 » و
فَكَذَبَتْ
« 2 » و
فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
« 3 » . قوله :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي
هذه لا يجوز أن تكون عرفانية ، لأنّ العرفان كما قدّمته يستدعي سبق جهل ، أو يقتصر به على معرفة الذات دون أحوالها حسب ما قاله الناس ، فالمفعول الثاني محذوف ، أي : تعلم ما في نفسي كائنا وموجدا على حقيقته لا يخفى عليك منه شيء ، وأمّا :
« وَلا أَعْلَمُ »
فهي وإن كان يجوز أن تكون عرفانية ، إلا أنها لمّا صارت مقابلة لما قبلها ينبغي أن يكون مثلها ، والمراد بالنفس هنا على ما قاله الزجاج أنها تطلق ويراد بها حقيقة الشيء ، والمعنى في قوله
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
إلى آخره واضح . وقال : « المعنى : تعلم ما أخفيه من سرّي وغيبي ، أي : ما غاب ولم أظهره ، ولا أعلم ما تخفيه أنت ولا تطلعنا عليه ، فذكر النفس مقابلة وازدواجا ، وهذا منتزع من قول ابن عباس ، وعليه حام الزمخشري فإنه قال : « تعلم معلومي ولا أعلم معلومك » ، وأتى بقوله :
« ما فِي نَفْسِكَ »
على جهة المقابلة والتشاكل لقوله :
« ما فِي نَفْسِي »
فهو كقوله :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
« 4 » ، وكقوله :
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية ( 26 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، الآية ( 27 ) . ( 3 ) سورة النمل ، الآية ( 90 ) . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية ( 54 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 656 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة