المعنى على مثنّى وهو الشاهدان ، فقيل : هو عائد على صنفي الشاهدين . وقيل : بل عائد على الشهود من الناس كلّهم ، معناه : ذلك أولى وأجدر أن يحذر الناس الخيانة فيتحرّوا في شهادتهم خوف الشناعة عليهم والفضيحة في ردّ اليمين على المدّعي . وقوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
لم يذكر متعلّق التقوى : إمّا للعلم به أي : واتقوا اللّه في شهادتكم وفي الموصين عليهم بأن لا تختلسوا لهم شيئا ؛ لأن القصة كانت بهذا السبب ، وإمّا قصدا لإيقاع التقوى ، فيتناول كلّ ما يتّقى منه . وكذا مفعول
« اسْمَعُوا »
إن شئت حذفته اقتصارا أو اختصارا أي : اسمعوا أوامره ونواهيه من الأحكام المتقدمة ، وما أفصح ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين ، فتبارك اللّه أصدق القائلين .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 109 ]
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 109 )
قوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُ :
في نصبه أحد عشر وجها :
أحدها : أنه منصوب ب
« اتَّقُوا »
أي : اتقوا اللّه في يوم جمعه الرسل قاله الحوفي ، وهذا ينبغي ألّا يجوز ، لأنّ أمرهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون ، إذ ليس بيوم تكليف وابتلاء ، ولذلك قال الواحدي : « ولم ينصب اليوم على الظرف للاتقاء ، لأنهم لم يؤمروا بالتقوى في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول به كقوله :
وَاتَّقُوا يَوْماً
« 1 » .
الثاني : أنه منصوب ب
« اتَّقُوا »
مضمرا يدل عليه
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
. قال الزجاج : « هو محمول على قوله :
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
ثم قال :
« يَوْمَ يَجْمَعُ »
أي : واتقوا ذلك اليوم ، فدلّ ذكر الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية ، ولا يكون منصوبا على الظرف للاتقاء لأنهم لم يؤمروا بالاتقاء في ذلك اليوم ، ولكن على المفعول به كقوله تعالى :
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً .
الثالث : أنه منصوب بإضمار « اذكروا » .
الرابع : بإضمار « احذروا » .
: أنه بدل اشتمال من الجلالة . قال الزمخشري :
« يَوْمَ يَجْمَعُ »
بدل من المنصوب في
« وَاتَّقُوا اللَّهَ »
وهو من بدل الاشتمال كأنه قيل : « واتقوا اللّه يوم جمعه » انتهى ، ولا بد من حذف مضاف على هذا الوجه حتى تصحّ له هذه العبارة التي ظاهرها ليس بجيد ، لأنّ الاشتمال لا يصف به الباري تعالى على أيّ مذهب فسّرناه من مذاهب النحويين في الاشتمال ، والتقدير : واتقوا عقاب اللّه يوم يجمع رسله ، فإنّ العقاب مشتمل على زمانه ، أو زمانه مشتمل عليه ، أو عاملها مشتمل عليهما على حسب الخلاف في تفسير البدل الاشتمالي ، فقد تبيّن لك امتناع هذه العبارات بالنسبة إلى الجلالة الشريفة . واستبعد الشيخ « 2 » هذا الوجه بطول الفصل بجملتين ، ولا بعد فإنّ هاتين الجملتين من تمام معنى الجملة الأولى .
السادس : أنّه منصوب ب
« لا يَهْدِي »
قاله الزمخشري وأبو البقاء . قال الزمخشري : « أي : لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم » . وقال أبو البقاء : « أي : لا يهديهم في ذلك اليوم إلى حجّة أو إلى طريق الجنة » .
السابع : أنه مفعول به وناصبه
« اسْمَعُوا »
ولا بد من حذف مضاف حينئذ لأنّ الزمان لا يسمع ، فقدّره أبو البقاء :
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 48 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 48 ) .