« أُجِبْتُمْ »
مبنيا للفاعل والمفعول محذوف أي : ماذا أجبتم أممكم حين كذّبوكم وآذوكم ، وفيه توبيخ للأمم ، وليست في البلاغة كالأولى .
وقوله :
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
كقوله :
« إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ »
في البقرة « 1 » . والجمهور على رفع
« عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
، وقرىء « 2 » بنصبه وفيه أوجه ذكرها أبو القاسم وهي : الاختصاص والنداء وصفة لاسم « إنّ » قال :
« وقرىء بالنصب على أنّ الكلام قد تمّ عند قوله
« إِنَّكَ أَنْتَ »
أي : إنك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره ، ثم انتصب
« عَلَّامُ الْغُيُوبِ »
على الاختصاص أو على النداء أو هو صفة لاسم « إنّ » .
قال الشيخ « 3 » : « وهو على حذف الخبر لفهم المعنى ، فتمّ الكلام بالمقدّر في قوله
« إِنَّكَ أَنْتَ »
أي : إنّك الموصوف بأوصافك المعروفة من العلم وغيره » ثم قال : « قال الزمخشري : ثم انتصب فذكره إلى آخره » فزعم أنّ الزمخشري قدّر ل
« إِنَّكَ »
خبرا محذوفا ، والزمخشري لا يريد ذلك البتة ولا يرتضيه ، وءنما يريد أنّ هذا الضمير بكونه للّه تعالى هو الدالّ على تلك الصفات المذكورة لا انفكاك لها عنه ، وهذا المعنى هو الذي تقتضيه البلاغة والذي غاص عليه أبو القاسم ، لا ما قدّره الشيخ موهما أنه أتى به من عنده . ويعني بالاختصاص النصب على المدح لا الاختصاص الذي هو شبيه بالنداء ، فإنّ شرطه أن يكون حشوا .
ولكنّ الشيخ قد ردّ على أبي القاسم قوله « إنه يجوز أن يكون صفة لاسم « إنّ » بأنّ اسمها هنا ضمير مخاطب ، والضمير لا يوصف مطلقا عند البصريين ، ولا يوصف منه عند الكسائي إلا ضمير الغائب لإبهامه في قولهم « مررت به المسكين » مع إمكان تأويله بالبدل وهو ردّ واضح ، على أنه يمكن أن يقال أراد بالصفة البدل وهي عبارة سيبويه ، يطلق الصفة ويريد البدل « 4 » فله أسوة بإمامه واللازم مشترك ، فما كان جوابا عن سيبويه كان جوابا له ، ولكن يبقى فيه البدل بالمشتق وهو أسهل من الأول . ولم أرهم خرّجوها على لغة من ينصب الجزأين ب « إنّ » وأخواتها كقوله :
1845 - إنّ العجوز خبّة جروزا * . . . « 5 »
وقوله :
1846 - . . . * خطاك خفافا ، إنّ حرّاسنا أسدا « 6 »
وقوله :
1847 - ليت الشّباب هو الرّجيع على الفتى * . . . « 7 »
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية ( 32 ) .
( 2 ) انظر البحر ( 4 / 49 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 49 ) .
( 4 ) انظر الكتاب ( 1 / 395 ) .
( 5 ) صدر بيت وعجزه :. . . * تأكل كلّ ليلة قفيزاانظر الهمع ( 1 / 134 ) ، الدرر ( 1 / 112 ) ، النوادر ( 172 ) .
والخبة : الخداعة ، والجزور : كثيرة الأكل ، والقفيز :
مكيال .
( 6 ) جزء بيت لعمر بن أبي ربيعة وهو بتمامه :إذا اسودّ جنح اللّيل فلتأت ولتكن * خطاك خفافا ، إنّ حرّاسنا أسداانظر الهمع ( 1 / 134 ) ، الأشموني ( 1 / 269 ) ، الخزانة ( 4 / 167 ) ، المغني ( 1 / 37 ) ، تعليق الفرائد ( 1 / 1077 ) ، الدرر ( 1 / 111 ) ، وسيأتي البيت بتمامه في سورة الأعراف الآية ( 54 ) .
( 7 ) صدر بيت وعجزه :. . . * والشيب كان هو البدي الأولانظر معاني الفراء ( 2 / 352 ) .