الرازي - إنّ الأصل « ما بينكم » فحذف « ما » . قال الرازي : و
« بَيْنِكُمْ »
كناية عن التنازع ، لأنه إنما يحتاج إلى الشهود عند التنازع ، وحذف « ما » جائز عند ظهوره ، ونظيره كقوله تعالى
« لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ »
في قراءة من نصب » .
قال الشيخ : « وحذف « ما » الموصولة غير جائز عند البصريين ، ومع الإضافة لا يصحّ تقدير « ما » البتة ، وليس قوله
« هذا فِراقُ بَيْنِي »
نظير
« لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ »
لأن هذا مضاف ، وذلك باق على ظرفيته فيتخيّل فيه حذف « ما » بخلاف
« هذا فِراقُ بَيْنِي »
. و
« شَهادَةُ بَيْنِكُمْ »
فإنه لا يتخيّل فيه تقدير « ما » لأنّ الإضافة أخرجته عن الظرفية وصيّرته مفعولا به على السعة » . قلت : هذا الذي نقله الشيخ عنهما قاله أبو علي الجرجاني بعينه ، قال - رحمه اللّه - : « قوله
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ »
أي : ما بينكم ، و « ما بينكم » كناية عن التنازع والتشاجر ، ثم أضاف الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم في التنازع الواقع فيما بين القوم ، والعرب تضيف الشيء إلى الشيء إذا كان منه بسبب كقوله تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ
« 1 » أي : مقامه بين يدي ربه ، والعرب تحذف كثيرا ذكر « ما » و « من » في الموضع الذي يحتاج إليهما فيه كقوله :
وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ
« 2 » أي : ما ثمّ ، وكقوله :
« هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ »
و
« لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ »
أي ما بيني ، وما بينكم » ، وقول الشيخ « لا يتخيّل فيه تقدير « ما » إلى آخره » ممنوع لأنّ حالة الإضافة لا تجعلها صلة للموصول المحذوف ، ولا يلزم من ذلك أن تقدّرها من حيث المعنى لا من حيث الإعراب نظرا إلى الأصل ، وأمّا حذف الموصول فقد تقدّم تحقيقه .
وقوله :
ذَوا
صفة لاثنين أي : صاحبا عدل ، وكذلك قوله
« مِنْكُمْ »
صفة أيضا لاثنين ، وقوله :
« أَوْ آخَرانِ »
نسق على اثنين ، و
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
صفة لآخرين ، والمراد ب
« مِنْكُمْ »
من قرابتكم وعترتكم ، ومن غيركم من المسلمين الأجانب . وقيل :
« مِنْكُمْ »
من أهل دينكم ، و
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
من أهل الذمة . ورجّح النحاس الأول ، فقال : « هذا ينبني على معنى غامض في العربية ، وذلك أنّ معنى « آخر » في العربية من جنس الأول تقول :
« مررت بكريم وكريم آخر » ولا يجوز « وخسيس آخر » ولا : « مررت بحمار ورجل آخر » ، فكذا هنا يجب أن يكون
« أَوْ آخَرانِ »
: أو عدلان آخران ، والكفار لا يكونون عدولا . وردّ الشيخ « 3 » ذلك فقال : « أمّا ما ذكره من المثل فصحيح لأنه مثّل بتأخير « آخر » وجعله صفة لغير جنس الأول ، وأمّا الآية فمن قبيل ما يقدّم فيه « آخر » على الوصف واندرج « آخر » في الجنس الذي قبله ، ولا يعتبر وصف جنس الأول ، تقول : « مررت برجل مسلم وآخر كافر ، واشتريت فرسا سابقا وآخر بطيئا » ولو أخّرت « آخر » في هذين المثالين فقلت : « مررت برجل مسلم وكافر آخر » لم يجز ، وليس الآية من هذا لأن تركيبها
« اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ »
ف
« آخَرانِ »
من جنس قوله
« اثْنانِ »
ولا سيما إذا قدّرته : « رجلان اثنان » ف
« آخَرانِ »
هما من جنس « رجلان اثنان » ، ولا يعتبر وصف قوله :
« ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ »
وإن كان مغايرا لقوله
« مِنْ غَيْرِكُمْ »
، كما لا يعتبر وصف الجنس في قولك : « عندي رجلان اثنان مسلمان وآخران كافران » ، إذ ليس من شرط « آخر » إذا تقدم أن يكون من جنس الأول بقيد وصفه ، وعلى ما ذكرته جاء لسان العرب ، قال الشاعر :
1834 - كانوا فريقين يصغون الزّجاج على * قعس الكواهل في أشداقها ضخم
وآخرين ترى الماذيّ فوقهم * من نسج داود أو ما أورثت إرم « 4 »
هامش
( 1 ) سورة الرحمن ، الآية ( 46 ) .
( 2 ) سورة الإنسان ، الآية ( 20 ) .
( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 41 ) .
( 4 ) البيتان لزهير انظر ديوانه ( 158 ) ، البحر ( 4 / 42 ) .