« بعد اشتراط العدالة » بناء على مختاره في قوله :
أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
أي : أو عدلان آخران من الأجانب .
قال الشيخ « 1 » : « في قوله :
إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ
إلى آخره التفات من الغيبة إلى الخطاب ، إذ لو جرى على لفظ
« إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ »
لكان التركيب : إن هو ضرب في الأرض فأصابته ، وإنما جاء الالتفات جمعا لأنّ
« أَحَدَكُمُ »
معناه : إذا حضر كلّ واحد منكم الموت » . وفيه نظر لأن الخطاب جار على أسلوب الخطاب الأول من قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ
إلى آخره . وقال ابن عباس : « في الكلام حذف تقديره : فأصابتكم مصيبة الموت وقد أشهدتموهما على الإيصاء » . وعن سعيد بن جبير : تقديره « وقد أوصيتم » . قال بعضهم : « هذا أولى لأنّ الوصيّ يحلف والشاهد لا يحلف » . والخطاب في
« تَحْبِسُونَهُما »
لولاة الأمور لا لمن خوطب بإصابته الموت لأنه يتعذّر ذلك فيه . و
« مِنْ بَعْدِ »
متعلق ب
« تَحْبِسُونَهُما »
ومعنى الحبس : المنع ، يقال : حبست وأحبست فرسي في سبيل اللّه فهو محبس وحبيس . ويقال لمصنع الماء : « حبس » لأنه يمنعه ، ويقال : « حبّست » بالتشديد أيضا بمعنى وقفت وسبلت ؛ وقد يكون التشديد للتكثير في الفعل نحو : « حبّست الرجال » . والألف واللام في « الصلاة » فيها قولان ، أحدهما : أنها للجنس أي : بعد أيّ صلاة كانت . والثاني - وهو الظاهر - أنها للعهد ، فقيل : العصر ، وقيل غير ذلك .
قوله :
فَيُقْسِمانِ
في هذه الفاء وجهان :
أظهرهما : أنها عاطفة هذه الجملة على جملة قوله :
« تَحْبِسُونَهُما »
فتكون في محل رفع ، أو لا محلّ لها حسبما تقدّم من الخلاف .
والثاني : أنها فاء الجزاء أي : جواب شرط مقدر .
قال الفارسي : « وإن شئت لم تجعل الفاء لعطف جملة ، بل تجعله جزاء كقول ذي الرمة :
1835 - وإنسان عيني يحسر الماء تارة * فيبدو ، وتارات يجمّ فيغرق « 2 »
تقديره عندهم : إذا حسر بدا ، وكذا في الآية : إذا حبستموهما أقسما . وقال مكي نحوه ، فإنه قال : « ويجوز أن تكون الفاء جواب جزاء لأن
« تَحْبِسُونَهُما »
معناه الأمر بذلك ، وهو جواب الأمر الذي دلّ عليه الكلام كأنه قيل : إذا حبستوهما أقسما » قلت : ولا حاجة داعية إلى شيء من تقدير شرط محذوف ، وأيضا فإنه يحوج إلى حذف مبتدأ قبل قوله
« فَيُقْسِمانِ »
أي : فهما يقسمان ، وأيضا ف « إن تحبسوهما » تقدّم أنها صفة فكيف يجعلها بمعنى الأمر ، والطلب لا يقع وصفا ؟ وأمّا البيت الذي أنشده أبو عليّ فخرّجه النحويون على أن « يحسر الماء تارة » جملة خبرية ، وهي وإن لم يكن فيها رابط فقد عطف عليها جملة فيها رابط بالفاء السببية ، وفاء السببية جعلت الجملتين شيئا واحدا .
و
بِاللَّهِ
متعلّق بفعل القسم ، وقد تقدّم أنه لا يجوز إظهار فعل القسم إلا معها لأنها أمّ الباب . وقوله :
لا نَشْتَرِي بِهِ
جواب القسم المضمر في « يقسمان » فتلقّي بما يتلقّى به . وقوله :
إِنِ ارْتَبْتُمْ
شرط وجوابه محذوف تقديره : إن ارتبتم فيهما فحلّفوهما ، وهذا الشرط وجوابه المقدّر معترض بين القسم وجوابه . وليس هذه
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 42 ) .
( 2 ) البيت في ديوانه ( 479 ، مجالس ثعلب ( 2 / 6 ) ، المحتسب ( 1 / 150 ) ، المقرب ( 2 / 6 ) ، الخزانة ( 1 / 312 ) ، المغني ( 2 / 501 ) ، الأشموني ( 1 / 196 ) ، الهمع ( 1 / 89 ) ، الدرر ( 1 / 74 ) ، البحر المحيط ( 6 / 45 ) .