أحدها : أنه مستأنف فلا محل له ، أخبر اللّه تعالى عنهم بهذه المقالة الحسنة .
الثاني : أنها حال من الضمير المجرور في
« أَعْيُنَهُمْ »
، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأنّ المضاف جزؤه فهو كقوله تعالى :
ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً
« 1 » .
الثالث : أنه حال من فاعل
« عَرَفُوا »
، والعامل فيها
« عَرَفُوا »
. قال الشيخ « 2 » لمّا حكى كونه حالا : « كذا قاله ابن عطية وأبو البقاء ، ولم يبيّنا ذا الحال ولا العامل فيها » . قلت : أمّا أبو البقاء فقد بيّن ذا الحال فقال :
« يَقُولُونَ »
حال من ضمير الفاعل في
« عَرَفُوا »
فقد صرّح به ، ومتى عرف ذو الحال عرف العامل فيها ، لأنّ العامل في الحال هو العامل في صاحبها ، فالظاهر أنه اطّلع على نسخة مغلوطة من إعراب أبي البقاء سقط منها ما ذكرته لك ، ثم إنّ الشيخ ردّ كونها حالا من الضمير في
« أَعْيُنَهُمْ »
بما معناه أن الحال لا تجيء من المضاف إليه وإن كان المضاف جزأه ، وجعله خطأ ، وأحال بيانه على بعض مصنفاته ، وردّ كونها حالا أيضا من فاعل
« عَرَفُوا »
بأنه يلزم تقييد معرفتهم الحقّ بهذه الحال ، وهم قد عرفوا الحق في هذه الحال وفي غيرها ، قال : « فالأولى أن يكون مستأنفا » أمّا ما جعله خطأ فالكلام معه في هذه المسألة في موضوع غير هذا ، وأمّا قوله « يلزم التقييد » فالجواب أنه إنما ذكرت هذه الحال لأنها أشرف أحوالهم فخرجت مخرج المدح لهم . وقوله :
رَبَّنا آمَنَّا
في محل نصب بالقول ، وكذلك :
فَاكْتُبْنا
إلى قوله
الصَّالِحِينَ .
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 84 إلى 88 ]
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ( 84 ) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 85 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 86 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 87 ) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ( 88 )
قوله تعالى :
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ :
« ما »
استفهامية في محل رفع بالابتداء ، و
« لَنا »
جارّ ومجرور خبره ، تقديره : أيّ شيء استقر لنا ، و
« لا نُؤْمِنُ »
جملة حالية . وقد تقدّم نظير هذه الآية والكلام عليها ، وأنّ بعضهم قال :
إنها لازمة لا يتمّ المعنى إلا بها نحو :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
« 3 » ، وتقدّم ما قلته فيه فأغنى ذلك عن إعادته .
وقال الشيخ « 4 » هنا : « وهي المقصود وفي ذكرها فائدة الكلام ، وذلك كما تقول : « جاء زيد راكبا » لمن قال : هل جاء زيد ماشيا أو راكبا ؟ » . .
قوله :
وَما جاءَنا
في محلّ
« ما »
وجهان :
أحدهما : أنه مجرور نسقا على الجلالة أي : باللّه وبما جاءنا ، وعلى هذا فقوله :
« مِنَ الْحَقِّ »
فيه احتمالان :
هامش
( 1 ) تفسير سورة الحجر ، الآية ( 47 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 6 ) .
( 3 ) تفسير سورة المدثر ، الآية ( 49 ) .
( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 7 ) .