أحدهما : أنه حال من فاعل
« جاءَنا »
أي : جاء في حال كونه من جنس الحقّ . والاحتمال الآخر : أن تكون
« مِنَ »
لابتداء الغاية ، والمراد بالحقّ الباري تعالى ، وتتعلّق « من » حينئذ ب
« جاءَنا »
كقولك : « جاءنا فلان من عند زيد » .
والثاني : أنّ محلّه رفع بالابتداء ، والخبر قوله :
« مِنَ الْحَقِّ »
، والجملة في موضع الحال ، كذا قاله أبو البقاء ، ويصير التقدير : وما لنا لا نؤمن باللّه والحال أنّ الذي جاءنا كائن من الحق ، و
« الْحَقِّ »
يجوز أن يراد به القرآن فإنه حقّ في نفسه ، ويجوز أن يراد به الباري تعالى - كما تقدّم - والعامل فيها الاستقرار الذي تضمّنه قوله
« لَنا »
.
قوله :
وَنَطْمَعُ
في هذه الجملة ستة أوجه :
أحدهما : أنها منصوبة المحلّ نسقا على المحكيّ بالقول قبلها أي : يقولون كذا ويقولون نطمع وهو معنى حسن .
والثاني : أنها في محلّ نصب على الحال من الضمير المستتر في الجارّ الواقع خبرا وهو
« لَنا »
لأنه تضمّن الاستقرار ، فرفع الضمير وعمل في الحال ، وإلى هذا ذهب أبو القاسم فإنه قال : « والواو في
وَنَطْمَعُ »
واو الحال ، فإن قلت : ما العامل في الحال الأولى والثانية ؟ قلت : العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل كأنه قيل : أيّ شيء حصل لنا غير مؤمنين ، وفي الثانية معنى هذا الفعل ولكن مقيدا بالحال الأولى لأنك لو أزلتها وقلت : « ما لنا ونطمع » لم يكن كلاما » وفي هذا الكلام نظر وهو قوله : « لأنّك لو أزلتها إلى آخره » لأنّا إذا أزلناها وأتينا ب
« نَطْمَعُ »
لم نأت بها مقترنة بحرف العطف ، بل مجردة منه لنحلّها محلّ الأولى ، ألا ترى أنّ النحويين إذا وضعوا المعطوف موضع المعطوف عليه وضعوه مجردا من حرف العطف ، ورأيت في بعض نسخ الكشاف : « ما لنا نطمع » من غير واو مقترنة ب
« نَطْمَعُ »
ولكن أيضا لا يصحّ لأنك لو قلت : « ما لنا نطمع » كا كلاما كقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
« 1 » ، ف
« نَطْمَعُ »
واقع موقع مفرد هو حال ، كما لو قلت : ما لك طامعا ، وما لنا طامعين . وردّ الشيخ « 2 » عليه هذا الوجه بشيئين ، أحدهما : أن العامل لا يقتضي أكثر من حال واحدة إذا كان صاحبه مفردا دون بدل أو عطف إلا أفعل التفضيل على الصحيح .
والثاني : أنه يلزم دخول الواو على مضارع مثبت . وذلك لا يجوز إلا بتأويل تقدير مبتدأ أي : ونحن نطمع .
الثالث : أنها في محل نصب على الحال من فاعل
« نُؤْمِنُ »
فتكون الحالان متداخلتين . قال الزمخشري :
« ويجوز أن يكون
« وَنَطْمَعُ »
حالا من
« لا نُؤْمِنُ »
على معنى : أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحّدون اللّه ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين » وهذا فيه ما تقدم من دخول واو الحال على المضارع المثبت ، وأبو البقاء لمّا أجاز هذا الوجه قدّر مبتدأ قبل
« نَطْمَعُ »
، وجعل الجملة حالا من فاعل
« نُؤْمِنُ »
ليخلص من هذا الإشكال فقال : « ويجوز أن يكون التقدير : « ونحن نطمع » ، فتكون الجملة حالا من فاعل لا نؤمن » .
الرابع : أنها معطوفة على
« لا نُؤْمِنُ »
فتكون في محلّ نصب على الحال من ذلك الضمير المستتر في
« لَنا »
، والعامل فيها هو العامل في الحال قبلها . فإن قلت : هذا الوجه الثاني المتقدم ، وذكرت عن الشيخ هناك أنه منع
هامش
( 1 ) سورة المدثر ، الآية ( 49 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 7 ) .