تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
قوله تعالى :
غَيْرَ الْحَقِّ :
فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه نعت لمصدر محذوف أي : لا تغلوا في دينكم غلوّا غير الحق أي : غلوّا باطلا ، ولم يذكر الزمخشري غيره . الثاني : أنه منصوب على الحال من ضمير الفاعل في
« تَغْلُوا »
أي : لا تغلوا مجاوزين الحق ، ذكره أبو البقاء . الثالث : أنه حال من
« دِينِكُمْ »
أي : لا تغلوا فيه وهو باطل ، بل اغلوا فيه وهو حقّ ، ويؤيد هذا ما قاله الزمخشري فإنه قال : « لأنّ الغلوّ في الدين غلوّان : حقّ وهو أن يفحص عن حقائقه ويفتّش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيله حججه ، وغلو باطل : وهو أن يتجاوز الحقّ ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة » . الرابع : أنه منصوب على الاستثناء المتصل . الخامس : على الاستثناء المنقطع . ذكر هذين الوجهين الشيخ « 1 » عن غيره ، واستبعدهما فإنه قال : « وأبعد من ذهب إلى أنها استثناء متصل ، ومن ذهب إلى أنها استثناء منقطع ويقدّره ب « لكن الحقّ فاتبعوه » . قلت : والمستثنى منه يعسر تعيينه ، والذي يظهر فيه أنه قوله :
« فِي دِينِكُمْ »
كأنه قيل : لا تغلوا في دينكم إلا الدين الحق فإنه يجوز لكم الغلوّ فيه ، ومعنى الغلو فيه ما تقدم من تقرير الزمخشري له . وذكر الواحدي فيه الحال والاستثناء فقال : « وانتصاب
« غَيْرَ الْحَقِّ »
من وجهين ، أحدهما : الحال والقطع من الدين كأنه قيل : لا تغلوا في دينكم مخالفين للحقّ ، لأنهم خالفوا الحقّ في دينهم ثم غلوا فيه بالإصرار عليه . والثاني : أن يكون منصوبا على الاستثناء ، فيكون
« الْحَقِّ »
مستثنى من المنهيّ عن الغلوّ فيه بأن يجوز الغلوّ فيما هو حق على معنى اتباعه والثبات عليه . وهذا نصّ فيما ذكرت لك من أنّ المستثنى هو
« دِينِكُمْ »
. وتقدّم معنى الغلوّ في سورة النساء « 2 » ، وظاهر هذه الأعاريب المتقدمة أنّ
« تَغْلُوا »
فعل لازم ، وكذا نصّ عليه أبو البقاء ، إلا أن أهل اللغة يفسّرونه بمعنى متعدّ ، فإنهم قالوا : معناه لا تتجاوزوا الحد . قال الراغب : « الغلوّ تجاوز الحدّ ، يقال ذلك إذا كان في السعر « غلاء » ، وإذا كان في القدر والمنزلة « غلوّا » ، وفي السهم « غلوا » ، وأفعالها جميعا غلا يغلو ، فعلى هذا يجوز أن ينتصب
« غَيْرَ الْحَقِّ »
مفعولا به أي : لا تتجاوزوا في دينكم غير الحق ، فإن فسّرنا
« تَغْلُوا »
بمعنى تتباعدوا من قولهم : « غلا السهم » أي : تباعد كان قاصرا ، فيحتمل أن يكون من قال بأنه لازم أخذه من هذا لا من الأول . قوله :
كَثِيراً
في نصبه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به ، وعلى هذا أكثر المتأوّلين ، فإنهم يفسّرونه بمعنى : وأضلّوا كثيرا منهم أو من المنافقين . والثاني : أنه منصوب على المصدرية أي : نعت لمصدر محذوف أي : إضلالا كثيرا ، وعلى هذا القول فالمفعول محذوف أي : أضلّوا غيرهم إضلالا كثيرا . تعالى :
مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
في محلّ نصب على الحال ، وصاحبها : إمّا
« الَّذِينَ »
« وإمّا » واو
« كَفَرُوا »
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 539 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 171 ) .