فأمّا قراءة الجمهور فتحتمل
« أَنْ »
فيها أن تكون في محل رفع أو نصب أو جر ، فالرفع من وجه واحد وهو أن تكون مبتدأ والخبر محذوف . قال الزمخشري : « والخبر محذوف أي : فسقكم ثابت معلوم عندكم ، لأنكم علمتم أنّا على الحق وأنتم على الباطل ، إلا أنّ حبّ الرئاسة وجمع الأموال لا يدعكم فتنصفوا » فقدّر الخبر متأخرا . قال الشيخ « 1 » : « ولا ينبغي أن يقدّر الخبر إلا مقدما لأنه لا يبتدأ ب « أنّ » على الأصحّ إلا بعد « أما » انتهى . ويمكن أن يقال : يغتفر في الأمور التقديرية ما لا يغتفر في اللفظية ، لا سيما أن هذا جار مجرى تفسير المعنى ، والمراد إظهار ذلك الخبر كيف ينطق به ، إذ يقال إنه يرى جواز الابتداء ب « أنّ » مطلقا ، فحصل في تقدير الخبر وجهان بالنسبة إلى التقديم والتأخير .
وأمّا النصب فمن ستة أوجه :
أحدها : أن يعطف على
« أَنْ آمَنَّا »
، واستشكل هذا التخريج من حيث إنه يصير التقدير : هل تكرهون إلا إيماننا وفسق أكثركم ، وهم لا يعترفون بأن أكثرهم فاسقون حتى يكرهونه . وأجيب عن ذلك ، فأجاب الزمخشري وغيره بأنّ المعنى : وما تنقمون منا إلا الجمع بين أيماننا وبين تمرّدكم وخروجكم عن الإيمان ، كأنه قيل : وما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في دين الإسلام وأنتم خارجون منه » .
ونقل الواحدي عن بعضهم أنّ ذلك من باب المقابلة والازدواج ، يعني أنه لمّا نقم اليهود عليهم الإيمان بجميع الرسل وهو مما لا ينقم ذكر في مقابلته فسقهم ، وهو ممّا ينقم ، ومثل ذلك حسن في الازدواج ، يقول القائل : « هل تنقم مني إلا أني عفوت عنك وأنك فاجر » فيحسن ذلك لإتمام المعنى بالمقابلة . وقال أبو البقاء : « والمعنى على هذا : إنكم كرهتم إيماننا وامتناعكم ، أي : كرهتم مخالفتنا إياكم ، وهذا كقولك للرجل : ما كرهت مني إلا أني محبّب للناس وأنك مبغض » وإن كان لا يعترف بأنه مبغض . وقال ابن عطية :
« وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ
هو عند أكثر المتأوّلين معطوف على قوله :
« أَنْ آمَنَّا »
فيدخل كونهم فاسقين فيما نقموه ، وهذا لا يتّجه معناه » ثم قال بعد كلام :
« وإنما يتجه على أن يكون معنى المحاورة : هل تنقمون منا إلا مجموع هذه الحال من أنّا مؤمنون وأنتم فاسقون ، ويكون
« وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ »
ممّا قرّره المخاطب لهم ، وهذا كما تقول لمن يخاصم : « هل تنقم عليّ إلا أن صدقت أنا وكذبت أنت » وهو لا يقرّ بأنه كاذب ولا ينقم ذلك ، لكن معنى كلامك : هل تنقم إلا مجموع هذه الحال » وهذا هو مجموع ما أجاب به الزمخشري والواحدي .
الوجه الثاني من أوجه النصب : أن يكون معطوفا على
« أَنْ آمَنَّا »
أيضا ، ولكن في الكلام مضاف محذوف لصحة المعنى ، تقديره : « واعتقاد أن أكثركم فاسقون » وهو معنى واضح ، فإنّ الكفار ينقمون اعتقاد المؤمنين أنهم فاسقون .
الثالث : أنه منصوب بفعل مقدّر تقديره : هل تنقمون منا إلا إيماننا ، ولا تنقمون فسق أكثركم .
الرابع : أنه منصوب على المعية ، وتكون الواو بمعنى « مع » تقديره : وما تنقمون منا إلا الإيمان مع أن أكثركم فاسقون . ذكر جميع هذه الأوجه أبو القاسم الزمخشري .
الخامس : أنه منصوب عطفا على
« أَنْ آمَنَّا »
و
« أَنْ آمَنَّا »
مفعول من أجله فهو منصوب ، فعطف هذا عليه ،
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 517 ) .