تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
من الفعل أي : اتخذوا المناداة ، ذكره الزمخشري وفيه بعد ، إذ لا حاجة تدعو إليه مع التصريح بما صلح أن يعود عليه الضمير بخلاف قوله تعالى :
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ
« 1 » وقوله :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ »
مبتدأ وخبر أي : ذلك الاستهزاء مستقر بسبب عدم عقلهم . قوله تعالى :
تَنْقِمُونَ :
قراءة الجمهور بكسر القاف ، وقراءة النخعي وابن أبي عبلة وأبي حيوة بفتحها ، وهاتان القراءتان مفرّعتان على الماضي وفيه لغتان : الفصحى - وهي التي حكاها ثعلب في فصيحه - نقم بفتح القاف ينقم بكسرها ، والأخرى : نقم بكسر القاف ينقم بفتحها ، وحكاها الكسائي ، ولم يقرأ في قوله تعالى :
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ
« 2 » إلا بالفتح . وقوله :
إِلَّا أَنْ آمَنَّا
مفعول ل
« تَنْقِمُونَ »
بمعنى : تكرهون وتعيبون وهو استثناء مفرغ . و
« مِنَّا »
متعلق به ، أي : ما تكرهون من جهتنا إلا الإيمان ، وأصل « نقم » أن يتعدّى ب « على » تقول : « نقمت عليه كذا » وإنما عدّي هنا ب « من » لمعنى سأذكره . وقال أبو البقاء : « ومنّا مفعول تنقمون الثاني ، وما بعد « إلا » هو المفعول الأول ، ولا يجوز أن يكون
« مِنَّا »
حالا من « أن » والفعل لأمرين : أحدهما : تقدّم الحال على « إلّا » . والثاني : تقدّم الصلة على الموصول ، والتقدير : هل تكرهون منا إلا إيماننا » انتهى . وفي قوله مفعول أول وثان نظر ، لأنّ الأفعال التي تتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسها وإلى الآخر بحرف الجر محصورة كأمر ، واختار ، واستغفر ، وصدّق ، وسمّى ، ودعا بمعناه ، وزوّج ، ونبّأ ، وأنبأ ، وخبّر ، وأخبر ، وحدّث غير مضمّنة معنى أعلم ، وكلّها يجوز فيها إسقاط الخافض والنصب ، وليس هذا منها . وقوله : « ولا يجوز أن يكون حالا » يعني أنه لو تأخّر بعد
« أَنْ آمَنَّا »
لفظة
« مِنَّا »
لجاز أن تكون حالا من المصدر المؤول من « أن » وصلتها ، ويصير التقدير : هل تكرهون إلا الإيمان في حال كونه منا ، لكنه امتنع مع تقدّمه على
« أَنْ آمَنَّا »
للوجهين المذكورين . أحدهما : تقدّمه على
« إِلَّا »
، ويعني بذلك أن الحال لا تتقدم على
« إِلَّا »
، ولا أدري ما يمنع ذلك ؟ لأنه إذا جعل
« مِنَّا »
حالا من « أن » وما في حيّزها كان عامل الحال مقدرا ، ويكون صاحب الحال محصورا ، وإذا كان صاحب الحال محصورا وجب تقديم الحال عليه ، فيقال : « ما جاء راكبا إلا زيد » و « ما ضربت مكتوفا إلا عمرا » ، ف « راكبا » و « مكتوفا » حالان مقدمان وجوبا لحصر صاحبيهما فهذا مثله . وقوله : والثاني : « تقدّم الصلة على الموصول » لم تتقدّم صلة على موصول ، بيانه : أن الموصول هو « أن » والصلة
« آمَنَّا »
و
« مِنَّا »
ليس متعلقا بالصلة بل هو معمول لمقدر ، ذلك المقدّر في الحقيقة منصوب ب
« تَنْقِمُونَ »
فما أدري ما توهّمه حتى قال ما قال ؟ على أنه لا يجوز أن يكون حالا لكن لا لما ذكر بل لأنه يؤدّي إلى أنه يصير التقدير : هل تنقمون إلا إيماننا منا ، فمن نفس قوله « إيماننا » فهم أنه منّا ، فلا فائدة فيه حينئذ . فإن قيل : تكون حالا مؤكدة . قيل : خلاف الأصل ، وليس هذا من مظانّها ، وأيضا فإنّ هذا شبيه بتهيئة العامل للعمل وقطعه عنه ، فإنّ
« تَنْقِمُونَ »
يطلب هذا الجار طلبا ظاهرا . وقرأ الجمهور
« وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ »
بالبناء للمفعول فيهما ، وقرأ أبو نهيك : « أنزل ، وأنزل » بالبناء للفاعل ، وكلتاهما واضحة . قوله تعالى :
وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ
قرأ الجمهور :
« أَنْ »
مفتوحة الهمزة ، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسرها .
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية ( 8 ) . ( 2 ) سورة البروج ، الآية ( 8 ) .