فاسِقُونَ »
أحد عشر وجها ، وجهان في حالة الرفع بالنسبة إلى تقدير الخبر : هل يقدّر مقدّما وجوبا أو جوازا ، وقد تقدّم ما فيه ، وستة أوجه في النصب ، وثلاثة في الجر . وأمّا قراءة ابن ميسرة فوجهها أنها على الاستئناف ، أخبر أنّ أكثرهم فاسقون ، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ لعطفها على معمول القول ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يقول لهم :
هل تنقمون إلى آخره ، وأن يقول لهم : إنّ أكثركم فاسقون ، وهي قراءة جليّة واضحة .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 60 ]
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 60 )
قوله تعالى :
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ :
المخاطب في
« أُنَبِّئُكُمْ »
فيه قولان ، أحدهما - وهو الذي لا يعرف أكثر أهل التفسير غيره : أنه يراد به أهل الكتاب الذين تقدّم ذكرهم . والثاني : أنه للمؤمنين ، قال ابن عطية « ومشى المفسرون في هذه الآية على أن الذين أمر أن يقول لهم :
« هَلْ أُنَبِّئُكُمْ »
هم اليهود والكفار المتّخذون ديننا هزوا ولعبا ، قال ذلك الطبري ، ولم يسند في ذلك إلى متقدّم شيئا ، والآية تحتمل أن يكون القول للمؤمنين » . انتهى ، فعلى كونه ضمير المؤمنين واضح ، وتكون أفعل التفضيل - أعني
« بِشَرٍّ »
- على بابها ، إذ يصير التقدير : قل هل أنبّئكم يا مؤمنون بشرّ من حال هؤلاء الفاسقين ؟ أولئك أسلافهم الذين لعنهم اللّه ، وتكون الإشارة ب
« ذلِكَ »
إلى حالهم ، كذا قدّره ابن عطية ، وإنما قدّر مضافا ، وهو حال ليصحّ المعنى ، فإن
« ذلِكَ »
إشارة للواحد ، ولو جاء من غير حذف مضاف لقيل :
من أولئك بالجمع . وقال الزمخشري :
« ذلِكَ »
إشارة إلى المنقوم ، ولا بد من حذف مضاف قبله أو قبل
« مِنْ »
تقديره : بشرّ من أهل ذلك ، أو دين من لعنه اللّه » انتهى . ويجوز ألّا يقدّر مضاف محذوف لا قبل ولا بعد ، وذلك على لغة من يشير للمفرد وللمثنى والمجموع تذكيرا وتأنيثا بإشارة الواحد المذكر ، ويكون
« ذلِكَ »
إشارة إلى الأشخاص المتقدّمين الذين هم أهل الكتاب ، كأنه قيل : بشرّ من أولئك ، يعني أن السلف الذي لهم شرّ من الخلف ، وعلى هذا يجيء قوله
« مَنْ لَعَنَهُ »
مفسّرا لنفس
« ذلِكَ »
، وإن كان ضمير أهل الكتاب وهو قول عامة المفسرين فيشكل ويحتاج إلى جواب .
ووجه الإشكال أنه يصير التقدير : « هل أنبّئكم يا أهل الكتاب بشرّ من ذلك ، و
« ذلِكَ »
يراد به المنقوم وهو الإيمان ، وقد علم أنه لا شرّ في دين الإسلام البتة ، وقد أجاب الناس عنه ، فقال الزمخشري عبارة قرّر بها الإشكال المتقدم ، وأجاب عنه بعد أن قال : « فإن قلت : المثوبة مختصة بالإحسان فكيف وقعت في الإساءة ؟ قلت : وضعت موضع عقوبة فهو كقوله :
1757 - . . . * تحيّة بينهم ضرب وجيع « 1 »
ومنه
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 2 » وتلك العبارة التي ذكرتها لك هي أن قال : « فإن قلت : المعاقب من الفريقين هم اليهود ، فلم شورك بينهم في العقوبة ؟ قلت : كان اليهود - لعنوا - يزعمون أن المسلمين ضالّون مستوجبون للعقوبة ، فقيل لهم : من لعنه اللّه شرّ عقوبة في الحقيقة واليقين من أهل الإسلام في زعمكم ودعواكم » وفي عبارته
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 21 ) .