ناشئتان عن المحبتين ، وقدّم وصفهم المتعلّق بالمؤمنين على وصفهم المتعلق بالكافرين لأنه آكد وألزم منه ، ولشرف المؤمن أيضا .
والجمهور على جرّ
« أَذِلَّةٍ
-
أَعِزَّةٍ »
على الوصف كما تقدم ، قال الزمخشري : « وقرىء « أذلّة وأعزّة » بالنصب على الحال » قلت : الذي قرأ
« أَذِلَّةٍ »
هو عبد اللّه بن مسعود ، إلا أنه قرأ بدل
« أَعِزَّةٍ »
: « غلظاء على الكافرين » وهو تفسير ، وهي حال من « قوم » ، وجاز ذلك وإن كان « قوم » نكرة لقربه من المعرفة إذ قد تخصّص بالوصف .
قوله تعالى :
يُجاهِدُونَ
يحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون صفة أخرى ل « قوم » ولذلك جاء بغير واو ، كما جاءت الصفتان قبله بغيرها .
الثاني : أنه في محلّ نصب على الحال من الضمير المستكن في
« أَعِزَّةٍ »
أي : يعزّون مجاهدين ، قاله أبو البقاء ، وعلى هذا فيجوز أن تكون حالا من الضمير في
« أَذِلَّةٍ »
أي : يتواضعون للمؤمنين حال كونهم مجاهدين ، أي : لا يمنعهم الجهاد في سبيل اللّه في التواضع للمؤمنين ، وحاليّتها من ضمير
« أَعِزَّةٍ »
أظهر من حاليّتها ممّا ذكرت ، ولذلك لم يسغ أن تجعل المسألة من التنازع .
الثالث : أن يكون مستأنفا سيق للإخبار بأنهم يجاهدون في نصرة دين اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلا يَخافُونَ
فيه أوجه :
أحدها : أن يكون معطوفا على
« يُجاهِدُونَ »
فتجري فيه الأوجه السابقة فيما قبله .
الثاني : أن تكون الواو للحال ، وصاحب الحال فاعل
« يُجاهِدُونَ »
، قال الزمخشري : « أي : يجاهدون وحالهم في المجاهدة غير حال المنافقين » ، وتبعه الشيخ « 1 » ولم ينكر عليه ، وفيه نظر ؛ لأنّهم نصّوا على أن المضارع المنفي ب « لا » أو « ما » كالمثبت في أنه لا يجوز أن تباشره واو الحال ، وهذا كما ترى مضارع منفي ب « لا » إلا أن يقال :
إن ذلك الشرط غير مجمع عليه ، لكنّ العلة التي منعوا لها مباشرة الواو للمضارع المثبت موجودة في المضارع المنفيّ ب « لا » و « ما » وهي : أنّ المضارع المثبت بمنزلة الاسم الصريح ، فإنك إذا قلت : « جاء زيد يضحك » [ كان ] في قوة « ضاحكا » ، و « ضاحكا » لا يجوز دخول الواو عليه فكذلك ما أشبهه وهو في قوته ، وهذه موجودة في المنفي ، فإنّ قولك « جاء زيد لا يضحك » في قوة « غير ضاحك » و « غير ضاحك » لا تدخل عليه الواو ، إلّا أن هذا يشكل بأنهم نصّوا على أن المنفي ب « لم » و « لما » يجوز فيه دخول الواو مع أنه في قولك : « قام زيد لم يضحك » بمنزلة « غير ضاحك » ، ومن دخول الواو قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ
« 2 » ونحوه .
الثالث : أن تكون الواو للاستئناف ، فيكون ما بعدها جملة مستأنفة مستقلة بالإخبار ، وبهذا يحصل الفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الذي جوّزت فيه أن تكون الواو عاطفة مع اعتقادنا أنّ « يجاهدون » مستأنف وهو واضح .
واللّومة : المرّة من اللّوم ، قال الزمخشري : « وفيها وفي التنكير مبالغتان كأنه قيل : لا يخافون شيئا قطّ من لوم أحد من اللّوّام » ، و
« لَوْمَةَ »
مصدر مضاف لفاعله في المعنى ، فإن قيل : هل يجوز أن يكون مفعوله محذوفا ، أي : لا
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 513 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 214 ) .