« فَيُصْبِحُوا »
ليس فيه ضمير يعود على اسمها فكان من حقّ المسألة الامتناع لكنّ الفاء للسببية ، فجعلت الجملتين كالجملة الواحدة وذلك جار في الصلة نحو : « الذي يطير فيغضب زيد الذباب » ، والصفة نحو : « مررت برجل يبكي فيضحك عمرو » ، والخبر نحو : « زيد يبكي فيضحك خالد » ، ولو كان العاطف غير الفاء لم يجز ذلك .
والثاني : أنه منصوب بإضمار « أن » بعد الفاء في جواب التمني قالوا : « لأنّ عسى تمنّ وترجّ في حق البشر » .
و
« عَلى ما أَسَرُّوا »
متعلق ب
« نادِمِينَ »
خبر « أصبح » .
قوله تعالى :
وَيَقُولُ :
قرأ أبو عمرو والكوفيون بالواو قبل
« يَقُولُ »
، والباقون بإسقاطها ، إلا أنّ أبا عمرو نصب الفعل بعد الواو ، وروى عنه علي بن نصر « 1 » الرفع كالكوفيين ، فتحصّل فيه ثلاث قراءات :
« يَقُولُ »
من غير واو
« وَيَقُولُ »
بالواو والنصب ،
« وَيَقُولُ »
بالواو والرفع . فأمّا قراءة من قرأ « يقول » من غير واو فهي جملة مستأنفة سيقت جوابا لسؤال مقدر ، كأنه لمّا تقدّم قوله تعالى :
« فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ »
إلى قوله :
« نادِمِينَ »
، سأل سائل فقال : ماذا قال المؤمنون حينئذ ؟ فأجيب بقوله تعالى :
« يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا »
إلى آخره ، وهو واضح ، والواو ساقطة في مصاحف مكة والمدينة والشام ، والقارئ بذلك هو صاحب هذه المصاحف ، فإن القارئين بذلك ابن كثير المكي وابن عامر الشامي ونافع المدني ، فقراءتهم موافقة لمصاحفهم ، وليس في هذا أنهم إنما قرؤوا كذلك لأجل المصحف فقط ، بل وافقت روايتهم مصاحفهم على ما بيّنته غير مرة .
وأمّا قراءة الواو والرفع فواضحة أيضا لأنها جملة ابتدىء بالإخبار بها ، فالواو استئنافية لمجرد عطف جملة على جملة ، فالواو ثابتة في مصاحف الكوفة والمشرق ، والقارئ بذلك هو صاحب هذا المصحف ، والكلام كما تقدّم أيضا . وأمّا قراءة أبي عمرو فهي التي تحتاج إلى فضل نظر ، واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه منصوب عطفا على
« فَيُصْبِحُوا »
على أحد الوجهين المذكورين في نصب
« فَيُصْبِحُوا »
وهو الوجه الثاني ، أعني كونه منصوبا بإضمار
« أَنْ »
في جواب الترجّي بعد الفاء إجراء للترجّي مجرى التمني ، وفيه خلاف مشهور بين البصريين والكوفيين ، فالبصريون يمنعونه والكوفيون يجيزونه مستدلّين على ذلك بقراءة نافع :
« لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ »
« 2 » بنصب « تنفعه » ، وبقراءة عاصم في رواية حفص : « لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطّلع » بنصب « فأطّلع » ، « 3 » وسيأتي الجواب عن الآيتين الكريمتين في موضعه . وهذا الوجه - أعني عطف
« وَيَقُولُ »
على
« فَيُصْبِحُوا »
- قاله الفارسي وتبعه جماعة ، ونقله عنه أبو محمد بن عطية وذكره أبو عمرو بن الحاجب أيضا ، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ذكره الوجه المتقدّم : « وهذا وجه جيد أفادنيه الشيخ أبو عمرو بن الحاجب ولم أره لغيره ، وذكروا وجوها كلّها بعيدة متعسّفة » انتهى . قلت : وهذا - كما رأيت - منقول مشهور عن أبي علي الفارسي ، وأمّا استجادته هذا الوجه فإنما يتمشى على قول الكوفيين ، وهو مرجوح كما تقرر في علم النحو .
الثاني : أنه منصوب عطفا على المصدر قبله وهو الفتح كأنه قيل : فعسى اللّه أن يأتي بالفتح وبأن يقول ، أي :
ويقول الذين آمنوا ، وهذا الوجه ذكره أبو جعفر النحاس ، ونظّروه بقول الشاعر :
هامش
( 1 ) علي بن نصر بن علي بن صهبان أبو الحسن الجهضمي البصري مات سنة تسع وثمانين ومائة ويقال : ثمان اتفق الشيخان على توثيقه . انظر غاية النهاية ( 1 / 582 - 583 ) .
( 2 ) سورة عبس ، الآية ( 4 ) .
( 3 ) سورة غافر ، الآيتان ( 36 - 37 ) .