تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
قوله تعالى :
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا :
فيه خمسة أوجه : أحدهما : - وهو الظاهر ؛ أنّ
« مِنَ »
متعلقة بقوله
« أَخَذْنا »
والتقدير الصحيح فيه أن يقال : تقديره : « وأخذنا من الذين قالوا : إنّا نصارى ميثاقهم » فتوقع
« الَّذِينَ »
بعد
« أَخَذْنا »
، وتؤخّر عنه
« مِيثاقَهُمْ »
، ولا يجوز أن تقدّر « وأخذنا ميثاقهم من الذين » فتقدم
« مِيثاقَهُمْ »
على
« الَّذِينَ قالُوا »
، وإن كان ذلك جائزا من حيث كونهما مفعولين ، كلّ منهما جائز التقديم والتأخير ، لأنه يلزم عود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ، وهو لا يجوز إلا في مواضع محصورة ، نصّ على ذلك جماعة منهم مكي وأبو البقاء . الثاني : أنه متعلق بمحذوف على أنه خبر مبتدأ محذوف قامت صفته مقامه ، والتقدير : « ومن الذين قالوا إنّا نصارى قوم أخذنا ميثاقهم » ، فالضمير في
« مِيثاقَهُمْ »
يعود على ذلك المحذوف . والثالث : أنه خبر مقدم أيضا ، ولكن قدّروا المبتدأ موصولا حذف وبقيت صلته ، والتقدير : « ومن الذين قالوا : إنّا نصارى من أخذنا ميثاقهم » ، فالضمير في
« مِيثاقَهُمْ »
عائد على
« مِنَ »
، والكوفيون يجيزون حذف الموصول ، وقد تقدم لنا معهم البحث في ذلك . ونقل مكي مذهب الكوفيين هذا ، وقدّره عندهم : « ومن الذين قالوا : إنّا نصارى من أخذنا » ، وهذا التقدير لا يؤخذ منه أن المحذوف موصول فقط ، بل يجوز أن تكون « من » المقدرة نكرة موصوفة حذفت وبقيت صفتها ، فيكون كالمذهب الأول . الرابع : أن تتعلّق « من » ب
« أَخَذْنا »
كالوجه الأول ، إلا أنه لا يلزم فيه ذلك التقدير ، وهو أن توقع
« مِنَ الَّذِينَ »
« أَخَذْنا »
، وقبل
« مِيثاقَهُمْ »
، بل يجوز أن يكون التقدير على العكس ، بمعنى أنّ الضمير في
« مِيثاقَهُمْ »
يعود على بني إسرائيل ، ويكون المصدر من قوله
« مِيثاقَهُمْ »
مصدرا تشبيهيا ، والتقدير : وأخذنا من النصارى ميثاقا مثل ميثاق بني إسرائيل ، كقولك : « أخذت من زيد ميثاق عمرو » أي : ميثاقا مثل ميثاق عمرو ، وبهذا الوجه بدأ الزمخشري فإنه قال : « أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى أي : مثل ميثاقهم بالإيمان باللّه والرسل . الخامس : أنّ
« مِنَ الَّذِينَ »
معطوف على
« مِنْهُمْ »
من قوله تعالى :
« وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ
أي : من اليهود ، والمعنى : ولا تزال تطّلع على خائنة من اليهود ومن الذين قالوا إنّا نصارى ، ويكون قوله :
« أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ »
على هذا مستأنفا . وهذا ينبغي ألّا يجوز لوجهين : أحدهما : الفصل غير المغتفر . والثاني : أنه تهيئة للعامل في شيء وقطعه عنه ، وهو لا يجوز . قوله :
بَيْنَهُمُ
فيه وجهان :
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 503 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة