تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
أحدها : أنه نعت مصدر محذوف أي : قتلا يقينا . الثاني : أنه مصدر من معنى العامل قبله كما تقدم مجازه ، لأنه في معناه أي : وما تيقنوه يقينا . الثالث : أنه حال من فاعل
« قَتَلُوهُ »
أي : وما قتلوه متيقنين لقتله . الرابع : أنه منصوب بفعل من لفظه حذف للدلالة عليه . أي : ما تيقّنوه يقينا ، ويكون مؤكدا لمضمون الجملة المنفية قبله . وقدّر أبو البقاء العامل على هذا الوجه مثبتا فقال : « تقديره : تيقنوا ذلك يقينا » وفيه نظر . الخامس : - وينقل عن أبي بكر بن الأنباري - أنه منصوب بما بعد
« بَلْ »
من قوله :
« رَفَعَهُ اللَّهُ »
وأن في الكلام 158 تقديما وتأخيرا أي : بل رفعه اللّه إليه يقينا ، وهذا قد نصّ الخليل فمن دونه على منعه ، أي : إن
« بَلْ »
لا يعمل ما فيما قبلها ، فينبغي ألا يصحّ عنه ، وقوله :
« بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ »
ردّ لما ادّعوه من قتله وصلبه . والضمير في
« إِلَيْهِ »
عائد على
« اللَّهُ »
على حذف مضاف أي : إلى سمائه ومحلّ أمره ونهيه . تعالى :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ :
« إِنْ »
هنا نافية بمعنى « ما » و
« مِنْ أَهْلِ »
يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه صفة لمبتدأ محذوف ، والخبر الجملة القسمية المحذوفة وجوابها ، والتقدير : وما أحد من أهل الكتاب إلا واللّه ليؤمننّ به ، فهو كقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 1 » أي : ما أحد منا ، وكقوله :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
« 2 » أي : ما أحد منكم إلّا واردها ، هذا هو الظاهر . والثاني : - وبه قال الزمخشري وأبو البقاء - أنه في محلّ الخبر ، قال الزمخشري : « وجملة
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره : وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، ونحوه :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
والمعنى : وما من اليهود أحد إلا ليؤمن » . قال الشيخ « 3 » : وهو غلط فاحش ، إذ زعم أن
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف إلى آخره ، وصفة « أحد » المحذوف إنما هو الجار والمجرور كما قدّرناه ، وأمّا قوله :
« لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ »
فليست صفة لموصوف ولا هي جملة قسمية ، إنما هي جملة جواب القسم ، والقسم محذوف ، والقسم وجوابه خبر للمبتدأ ، إذ لا ينتظم من « أحد » والمجرور إسناد لأنه لا يفيد ، وإنما ينتظم الإسناد بالجملة القسمية وجوابها ، فذلك هو محطّ الفائدة ، وكذلك أيضا الخبر هو « إلّا له مقام » ، وكذلك « إلا واردها » إذ لا ينتظم مما قبل « إلا » تركيب إسنادي » . وهذا - كما ترى - قد أساء العبارة في حق الزمخشري بما زعم أنه غلط وهو صحيح مستقيم ، وليت شعري كيف لا ينتظم الإسناد من « أحد » الموصوف بالجملة التي بعده ومن الجارّ قبله ؟ ونظيره أن تقول : « ما في الدار رجل إلا صالح » فكما أن « في الدار » خبر مقدم ، و « رجل » مبتدأ مؤخر ، و « إلا صالح » صفته ، وهو كلام مفيد مستقيم ، فكذلك هذا ، غاية ما في الباب أنّ « إلا » دخلت على الصفة لتفيد الحصر . وأما ردّه عليه حيث قال : جملة قسمية ، وإنما هي جواب القسم فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه ، ويكفيه مثل هذه الاعتراضات . واللام في
« لَيُؤْمِنَنَّ »
جواب قسم محذوف كما تقدّم . وقال أبو البقاء :
« لَيُؤْمِنَنَّ
جواب قسم محذوف ، وقيل : أكّد بها في غير القسم كما جاء في النفي والاستفهام » فقوله : « وقيل إلى آخره » إنما يستقيم ذلك إذا أعدنا الخلاف إلى
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، الآية ( 164 ) . ( 2 ) سورة مريم ، الآية ( 71 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 292 ) .