الرابع : أنه مستثنى من فاعل « لوجدوا » أي : لوجدوا فيما هو من عند غير اللّه التناقض إلا قليلا منهم ، وهو من لم يمعن النظر ، فيظنّ الباطل حقا والمتناقض موافقا .
الخامس : أنه مستثنى من الضمير المجرور في
« عَلَيْكُمْ »
، وتأويله كتأويل الوجه الأول .
السادس : أنه مستثنى من فاعل
« يَسْتَنْبِطُونَهُ »
وتأويله كتأويل الوجه الثالث .
السابع : أنه مستثنى من المصدر الدالّ عليه الفعل ، والتقدير : لاتّبعتم الشيطان إلا اتباعا قليلا ، ذكر ذلك الزمخشري .
الثامن : أنه مستثنى من المتّبع فيه ، والتقدير : لاتبعتم الشيطان كلّكم إلا قليلا من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها ، فالمعنى : لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا في قليل من الأمور ، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها ، وعلى هذا فهو استثناء مفرغ ، ذكر ذلك ابن عطية ، إلا أنّ في كلامه مناقشة وهو أنه قال « أي : لاتبعتم الشيطان كلّكم إلا قليلا من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها » فجعله هنا مستثنى من المتّبع فيه المحذوف على ما تقدم تقريره ، وكان قد تقدّم أنه مستثنى من الاتّباع ، فتقديره يؤدّي إلى استثنائه من المتّبع فيه ، وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع ، وهما غيران .
التاسع : أن المراد بالقلة العدم ، يريد : لاتبعتم الشيطان كلكم وعدم تخلّف أحد منكم ، نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري ، وردّه بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولها ، قال : « وهذا كلام قلق ولا يشبه ما حكى سيبويه من قولهم : « هذه أرض قلّ ما تنبت كذا » أي لا تنبت شيئا . وهذا الذي قاله صحيح ، إلا أنه كان تقدم له في البقرة في قوله تعالى :
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
« 1 » أن التقليل هنا بمعنى العدم ، وتقدّم الردّ عليه هناك فتنبّه لهذا المعنى هنا ولم يتنبه له هناك .
العاشر : أن المخاطب بقوله
« لَاتَّبَعْتُمُ »
جميع الناس على العموم ، والمراد بالقليل أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم خاصة ، وأيّد صاحب هذا القول قوله بقوله عليه السّلام : « ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالرّقمة البيضاء في الثور الأسود « 2 » .
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 84 إلى 88 ]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 ) مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 ) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ( 87 ) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 88 )
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 46 ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 6 / 440 ) ، كتاب أحاديث الأنبياء ( 3348 ) ، ومسلم ( 1 / 201 ) ، كتاب الإيمان ( 378 - 221 ) .