قوله تعالى :
أَذاعُوا بِهِ :
جواب إذا ، وعين أذاع ياء لقولهم : ذاع الشيء يذيع ، ويقال : أذاع الشيء أيضا بمعنى المجرد ، ويكون متعديا بنفسه وبالباء ، وعليه الآية الكريمة ، وقيل : ضمّن « أذاع » معنى « تحدّث » فعدّاه تعديته أي : تحدّثوا به مذيعين له . والإذاعة : الإشاعة ، قال أبو الأسود :
1629 - أذاعوا به في النّاس حتّى كأنّه * بعلياء نار أوقدت بثقوب « 1 »
والضمير في « به » يجوز أن يعود على الأمر ، وأن يعود على الأمن أو الخوف ؛ لأنّ العطف ب « أو » والضمير في ردّوه » للأمر فقط . والاستنباط : الاستخراج ، وكذا الإنباط قال :
1630 - نعم صادقا والفاعل القائل الّذي * إذا قال قولا أنبط الماء في الثّرى « 2 »
ويقال : نبط الماء ينبط بفتح الباء وضمّها ، والنّبط : الماء الذي يخرج من البئر أول حفرها . والنّبط أيضا :
جيل من الناس سمّوا بذلك لأنهم يستخرجون المياه والنبات . ويقال في الرجل الذي يكون بعيد العزّ والمنعة : « ما يجد عدوّه له نبطا » . قال كعب :
1631 - قريب ثراه ما ينال عدوّه * له نبطا ، آبي الهوان قطوب « 3 »
و
« مِنْهُمْ »
حال : إمّا من الذين ، أو من الضمير في
« يَسْتَنْبِطُونَهُ »
فيتعلق بمحذوف . وقرأ أبو السمّال :
« لَعَلِمَهُ »
بسكون اللام ، قال ابن عطية : « هو كتسكين
فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
« 4 » . وليس مثله ؛ لأن تسكين فعل بكسر العين مقيس ، وتسكين مفتوحها شاذّ ، ومثل تسكين
« لَعَلِمَهُ »
قوله :
1632 - فإن تبله يضجر كما ضجر بازل * من الأدم دبرت صفحتاه وغاربه « 5 »
أي : دبرت ، فسكّن .
قوله :
إِلَّا قَلِيلًا
فيه عشرة أوجه :
أحدها : أنه مستثنى من فاعل « اتّبعتم » أي : لاتّبعتم الشيطان إلا قليلا منكم ، فإنه لم يتّبع الشيطان ، على تقدير كون فضل اللّه لم يأته ، ويكون أراد بالفضل إرسال محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك القليل كقسّ بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ، ممّن كان على دين المسيح قبل بعثة الرسول . وقيل : المراد من لم يبلغ التكليف ، وعلى هذا التأويل قيل : فالاستثناء منقطع ؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب ، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر .
الثاني : أنه مستثنى من فاعل
« أَذاعُوا »
أي : أظهروا أمر الأمن أو الخوف إلا قليلا .
الثالث : أنه مستثنى من فاعل « علمه » أي : لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلا .
هامش
( 1 ) انظر ديوانه ( 98 ) ، الكشاف ( 1 / 541 ) .
( 2 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 303 ) .
( 3 ) انظر البيت في الأصمعيات ( 103 ) ، البحر ( 3 / 303 ) .
( 4 ) سورة النساء ، الآية ( 65 ) .
( 5 ) اختلف في نسبة هذا البيت فنسب لأبي الغمر الكلابي ولعبد الرحمن بن حسان ولأبي الجراح وللأخطل انظر الإنصاف ( 123 ) ، الخزانة ( 2 / 277 ) ، الأشموني ( 2 / 243 ) .