قوله :
بِخَيْرٍ
متعلق بالفعل ، وهذا الفعل لمّا لم يضمّن معنى « أعلم » تعدّى لاثنين ، الأول تعدّى إليه بنفسه وإلى الثاني بالحرف ، ولو ضمّن معناها لتعدّى إلى ثلاثة .
و
مِنْ ذلِكُمْ
متعلّق بخير ؛ لأنه على بابه من كونه أفعل تفضيل ، والإشارة بذلكم إلى ما تقدّم من ذكر الشهوات ، وتقدّم تسويغ الإشارة بالمفرد إلى الجمع . ولا يجوز أن تكون « خير » ليست للتفضيل ، ويكون المراد به خيرا من الخيور ، وتكون
« مِنْ »
صفة لقوله : « خير » . قال أبو البقاء :
« مِنْ »
في موضع نصب بخير تقديره : بما يفضل ذلك ، ولا يجوز أن تكون صفة لخير ؛ لأن ذلك يوجب أن تكون الجنة وما فيها ممّا رغبوا فيه بعضا لما زهدوا فيه من الأموال ونحوها « وتابعه على ذلك الشيخ » « 1 » .
قوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
يجوز فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه متعلق بخير ، ويكون الكلام قد تمّ هنا ويرتفع
« جَنَّاتٌ »
على خبر مبتدأ محذوف تقديره : هو جنات ، أي : ذلك الذي هو خير ممّا تقدم جنات ، والجملة بيان وتفسير للخيريّة ، ومثله :
قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ
ثم قال :
النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 2 » ، ويؤيد ذلك قراءة « جنات » بكسر التاء « 3 » على أنها بدل من
« بِخَيْرٍ »
فهي بيان للخير .
والثاني : أن الجارّ خبر مقدم ، و
« جَنَّاتٌ »
مبتدأ مؤخر ، أو يكون
« جَنَّاتٌ »
فاعلا بالجار قبله ، وإن لم يعتمد عند من يرى ذلك . وعلى هذين التقديرين فالكلام تمّ عند قوله :
« مِنْ ذلِكُمْ »
، ثم ابتدأ بهذه الجملة وهي أيضا مبنيّة ومفسرة للخيرية .
وأمّا الوجهان الآخران فذكرهما مكي مع جر
« جَنَّاتٌ »
، يعني أنه لم يجز الوجهين ، إلا إذا جررت
« جَنَّاتٌ »
بدلا من
« بِخَيْرٍ »
. الوجه الأول : أنه متعلق بأؤنبئكم . الوجه الثاني : أنه صفة لخير . ولا بدّ من إيراد نصه فإنّ فيه إشكالا .
قال رحمه اللّه : - بعد أن ذكر أنّ
« لِلَّذِينَ »
خبر مقدم و
« جَنَّاتٌ »
مبتدأ - « ويجوز الخفض في
« جَنَّاتٌ »
على البدل من
« بِخَيْرٍ »
على أن تجعل اللام في « الذين » متعلقة بأؤنبئكم ، أو تجعلها صفة خير ، ولو جعلت اللام متعلقة بمحذوف قامت مقامه لم يجز خفض
« جَنَّاتٌ »
؛ لأنّ حروف الجرّ والظروف إذا تعلّقت بمحذوف ، وقامت مقامه صار فيها ضمير مقدر مرفوع ، واحتاجت إلى ابتداء يعود إليه ذلك الضمير كقولك : « لزيد مال ، وفي الدار رجل وخلفك عمرو » فلا بدّ من رفع
« جَنَّاتٌ »
إذا تعلّقت اللام بمحذوف ، ولو تعلّقت بمحذوف على أن لا ضمير فيها لرفعت جنات بفعلها ، ومو مذهب الأخفش في رفعه ما بعد الظروف وحروف الخفض بالاستقرار ، وإنما يحسن ذلك عند حذّاق النحويين إذا كانت الظروف أو حروف الخفض صفة لما قبلها ، فحينئذ يتمكّن ويحسن رفع الاسم بالاستقرار ، وقد شرحنا ذلك وبيّنّاه في أمثلة ، وكذلك إذا كانت أحوالا ممّا قبلها . انتهى فقد جوّز تعلّق هذه اللام بأؤنبئكم أم بمحذوف على أنها صفة لخير بشرط أن تجرّ
« جَنَّاتٌ »
، على البدل ، من
« بِخَيْرٍ »
، وظاهره أنه لا يجوز ذلك مع رفع
« جَنَّاتٌ »
، وعلّل ذلك بأنّ حروف الجر تعلّق بمحذوف وتحمّل الضمير ، فوجب أن يؤتى له بمبتدأ وهو
« جَنَّاتٌ »
، وهذا الذي قاله من هذه الحيثية لا يلزم ، إذ لقائل أن يقول : أجوّز تعليق اللام بما ذكرت من الوجهين مع رفع
« جَنَّاتٌ »
على أنّها خبر مبتدإ محذوف ، لا على الابتداء حتى يلزم ما ذكرت . ولكن الوجهان ضعيفان من جهة أخرى : وهو أنّ المعنى ليس واضحا على ما ذكر ، مع أنّ
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 399 .
( 2 ) سورة الحج ، آية ( 73 )
( 3 ) انظر البحر 2 / 399 .