والثاني : من التخيّل ، قيل : لأنّها تتخيّل في صورة من هو أعظم منها . وقيل : أصل الاختيال من التخيّل ، وهو التشبّه بالشيء ؛ لأنّ المختال يتخيّل في صورة من هو أعظم منه كبرا ، والأخيل : الشّقراق لأنه يتغيّر لونه بحسب « المقام » مرة أحمر ، ومرة أخضر ، ومرة أصفر ، وعليه قوله :
1201 - كأبي براقش كلّ لو * ن لونه يتخيّل « 1 »
وجوّز بعضهم أن يكون مخففا من « خيّل » بتشديد الياء نحو : « ميت » في ميّت ، و « هين » في هيّن . وفيه نظر لأنّ كل ما سمع فيه التخفيف سمع التثقيل ، وهذا لم يسمع إلا مخففا ، وقد تقدّم نظير هذا البحث في لفظ « الغيب » .
وقال الرغب : « الخيل في الأصل للأفراس والفرسان جميعا ، قال تعالى :
وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ
« 2 » ، ويستعمل في كل واحد منهما منفردا ، نحو ما روي : « يا خيل اللّه اركبي » فهذا للفرسان ، وقوله عليه السّلام : « عفوت لكم عن صدقة الخيل » « 3 » يعني الأفراس وفيه نظر ؛ لأنّ أهل اللغة نصّوا على أنّ قوله عليه السّلام : « يا خيل اللّه اركبي » « 4 » مجاز إمّا مجاز إضمار ، وإمّا مجاز علاقة ، ولو كان للفرسان بطريق الحقيقة لما ساغ قولهم ذلك .
قوله :
الْمُسَوَّمَةِ
أصل التسويم : التعليم ، ومعنى مسوّمة : معلمة إمّا بالكيّ وإمّا بالبلق « 5 » كما جاء ذلك في التفسير . وقيل : بل هو من سوّم ماشيته أي : رعاها ، فمعنى مسوّمة أي : مرعيّة ، يقال : « أسمت ماشيتي فسامت » ، قال تعالى :
فِيهِ تُسِيمُونَ
« 6 » ، وسوّمتها فاستامت ، فيكون الفعل عدّي تارة بالهمزة وتارة بالتضعيف . وقيل : بل هو من السيمياء وهي الحسن ، فمعنى مسوّمة أي : ذات حسن ، قال عكرمة واختاره النحاس ، قال : « لأنه من الوسم » . وقد ردّ عليه بعضهم باختلاف المادتين . وقد أجاب بعضهم عنه بأنّه من باب المقلوب فيصحّ ما قاله . وقد تقدّم تحقيق ذلك في قوله
يَسُومُونَكُمْ
« 7 » وقوله تعالى :
بِسِيماهُمْ .
« 8 »
قوله :
وَالْأَنْعامِ
هي جمع نعم ، والنّعم مختصة بثلاثة أنواع : الإبل والبقر والغنم وقال الهروي : النّعم تذكّر وتؤنّث ، وإذا جمع انطلق على الإبل والبقر والغنم » . وظاهر هذا أنه قبل جمعه على « أنعام » لا يطلق على الثلاثة الأنواع ، بل يختصّ بواحد منها ، وهذا الظاهر الذي أشرت إليه قد صرّح به الفراء فقال : « النّعم الإبل فقط ، وهو مدكّر ولا يؤنّث تقول : « هذا نعم وارد ، وهو جمع لا واحد له من لفظه » وقال ابن قتيبة :
« الْأَنْعامِ
: الإبل والبقر والغنم ، واحدة
هامش
( 1 ) هذا الشعر ذكره الأصمعي عن أبي عمرو بن العلا أنه لبعض بني أسد وقبله :إن يبخلوا أو يجبنوا * أو يغدروا لا يحفلوايغدو عليك مرجلي * ن كأنهم لم يفعلواهجا قوما فوصفهم بأنهم لا يلبثون على حال واحدة ، فشبههم بهذا الطائر الذي يتلون بألوان شتى ولذلك كنى بأبي براقش ولأنه يقال : تبرقش الروض : إذا ظهرت فيه أنواع الأزهار وتبرقش الرجل إذا تزيد وقال ابن الأعرابي : البرقشة التفرق انظر الاقتضاب 3 / 161 .
( 2 ) سورة الأنفال ، آية ( 60 ) .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة 1 / 570 ، كتاب الزكاة ، وأحمد في المسند 1 / 18 .
( 4 ) أخرجه ابن ماجة 1 / 570 ، كتاب الزكاة ( 1790 ) .
( 5 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 58 ، والطبري في التفسير 6 / 133 وذكره العجلوني في كشف الخفا 2 / 531 وعزاه لأبي الشيخ في الناسخ والمنسوخ .
( 6 ) سورة النحل ، آية ( 10 ) .
( 7 ) سورة البقرة ، آية ( 49 ) .
( 8 ) سورة البقرة ، آية ( 273 ) .