واستحسن الشيخ « 1 » هذا الوجه - أعني جعل الواو عاطفة لا حالية - قال : « لأن هذا الوجه الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ بعد الواو حتى تصير الجملة اسمية ، لأنّ المضارع المنفيّ ب « لا » لا يصحّ دخول الواو عليه . وغيره يقول : إنها تمتنع إذا كان مضارعا مثبتا فيفهم من هذا أن المضارع المنفيّ بكلّ ناف لا يمتنع دخولها عليه .
وقرأ عبد اللّه : « لتبيّنونه » من غير توكيد . قال ابن عطية : « وقد لا تلزم هذه النون لام التوكيد ، قاله سيبويه » انتهى .
والمعروف من مذهب البصريين لزومهما معا ، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سعة الكلام ، وأنشدوا :
1512 - وعيشك يا سلمى لأوقن أنّني * لما شئت مستحل ولو أنّه القتل « 2 »
وقال آخر :
1513 - يمينا لأبغض كلّ امرئ * يزخرف قولا ولا يفعل « 3 »
فأتى باللام وحدها ، وقد تقدّم هذا مرة أخرى بأشبع من هذا الكلام .
وقرأ ابن عباس : « ميثاق النبيين » . والضمير في قوله :
« فَنَبَذُوهُ »
يعود على الناس المبيّن لهم ، لاستحالة عوده على النبيين ، وكان قد تقدّم لك في قوله تعالى :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ
« 4 » أنه في أحد الأوجه على حذف مضاف ، أي : أولاد النبيين ، فلا بعد في تقديره هنا ، أعني قراءة ابن عباس .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 188 إلى 190 ]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 189 ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 )
قوله تعالى :
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو : لا يحسبنّ « فلا يحسبنّهم » بالياء فيهما ورفع باء « يحسبنّهم » . وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب وفتح الباء فيهما معا ، ونافع وابن عامر بياء الغيبة في الأول ، وبالخطاب في الثاني ، وفتح الباء فيهما . وقرىء شاذا بتاء الخطاب وضمّ الباء فيهما معا . [ وقرىء فيه أيضا بياء الغيبة فيهما وفتح الباء فيهما أيضا ، فهذه خمس قراءات ] .
فأمّا قراءة ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه ، وذلك لأنه لا يخلو : إمّا أن يجعل الفعل الأول مسندا إلى ضمير غائب أو إلى الموصول ، فإن جعلناه مسندا إلى ضمير غائب : إمّا الرسول عليه السّلام أو غيره ففي المسألة وجهان ، أحدهما : أنّ
« الَّذِينَ »
مفعول أول ، والثاني محذوف لدلالة المفعول الثاني للفعل الذي بعده عليه وهو
« بِمَفازَةٍ »
، والتقدير : لا يحسبنّ الرسول أو حاسب الذين يفرحون بمفازة ، فلا يحسبنّهم بمفازة ، فأسند الفعل الثاني لضمير
« الَّذِينَ »
، ومفعولاه : الضمير المنصوب و
« بِمَفازَةٍ »
.
هامش
( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 136 .
( 2 ) انظر البيت في البحر 3 / 136 .
( 3 ) انظر البيت في الأشموني 3 / 215 ، التصريح 2 / 302 ، العيني 4 / 338 ، البحر 3 / 136 .
( 4 ) سورة آل عمران ، آية ( 81 ) .