إظهارها . والفرق بينها وبين لام كي أنّ هذه على المشهور شرطها أن تكون بعد كون منفي ، ومنهم من يشترط مضيّ الكون ، ومنهم من لم يشترط الكون ، ولهذه الأقوال دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو استغنيت عنها هنا بما ذكرته في « شرح التسهيل » .
وفي خبر
« كانَ »
في هذا الموضع وما أشبهه قولان :
أحدهما : - وهو قول البصريين - أنه محذوف وأنّ اللام مقوية لتعدية ذلك الخبر المقدر لضعفه ، والتقدير : ما كان اللّه مريدا لأن يذر ، ف « أن يذر » هو مفعول « مريدا » ، والتقدير : ما كان اللّه مريدا ترك المؤمنين .
والثاني - قول الكوفيين - : أنّ اللام زائدة لتأكيد النفي وأنّ الفعل بعدها هو خبر
« كانَ »
، واللام عندهم هي العاملة النصب في الفعل بنفسها لا بإضمار « أن » ، والتقدير عندهم : ما كان اللّه يذر المؤمنين .
وضعّف أبو البقاء مذهب الكوفيين بأنّ النصب قد وجد بعد هذه اللام ، فإن كان النصب بها نفسها فليست زائدة ، وإن كان النصب بإضمار « أن » فسد من جهة المعنى لأنّ « أن » وما في حيّزها بتأويل مصدر ، والخبر في باب
« كانَ »
هو الاسم في المعنى فيلزم أن يكون المصدر الذي هو معنى من المعاني صادقا على اسمها وهو محال » .
أمّا قوله : « إن كان النصب بها فليست زائدة ممنوع ؛ لأنّ العمل لا يمنع الزيادة ، ألا ترى أنّ حروف الجر تزاد وهي عاملة ، وكذلك « أن » عند الأخفش و « كان » في قوله :
1506 - . . . * وجيران لنا كانوا كرام « 1 »
وقد تقدّم تحقيق ذلك في غير موضع .
و « يذر » فعل لا يتصرّف ك « يدع » استغناء عنه بتصرّف مرادفه وهو « ترك » ، وحذفت الواو من « يذر » من غير موجب تصريفي ، وإنما حملت على « يدع » لأنها بمعناها ، و « يدع » حذفت منه الواو لموجب وهو وقوع الواو بين ياء وكسرة مقدرة ، وأمّا الواو في « يذر » فوقعت بين ياء وفتحة أصلية ، وقد تقدّم تحقيق القول فيه عند قوله تعالى :
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا
« 2 » .
قوله :
حَتَّى يَمِيزَ
« حَتَّى »
هنا قيل : للغاية المجردة بمعنى « إلى » ، والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » ، وقد تقدّم تحقيقه في البقرة . والغاية هنا مشكلة على ظاهر اللفظ ؛ لأنه يصير المعنى أنه تعالى لا يترك المؤمنين على ما أنتم عليه إلى هذه الغاية وهي التمييز بين الخبيث والطيب ، ومفهومه أنه إذا وجدت الغاية ترك المؤمنين على ما أنتم عليه .
وهذا ظاهر ما قالوه من كونها للغاية ، وليس المعنى على ذلك قطعا ، ويصير هذا نظير قولك : « لا أكلّم زيدا حتى يقدم عمرو » فالكلام منتف إلى قدوم عمرو . والجواب عنه : أن
« حَتَّى »
غاية لما يفهم من معنى هذا الكلام ، ومعناه أنه تعالى يخلّص ما بينكم بالابتلاء والامتحان إلى أن يميز الخبيث من الطيب .
وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الأنفال « 3 » : « يميّز » بالتشديد ، والباقون بالتخفيف . وعن ابن كثير أيضا « يميز » من أماز ، فهذه ثلاث لغات ، يقال : مازه وميّزه وأمازه . والتشديد والهمزة ليسا للنقل ، لأنّ الفعل قبلهما متعد ، وإنما فعّل
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 278 ) .
( 3 ) انظر آية ( 37 ) .