فإذا لم ينصب علم أنّ البدل فيه لا يصحّ وإذا لم يصحّ البدل لم يجز إلا كسر « إنّ » على أن تكون « إنّ » وخبرها في موضع المفعول الثاني من « تحسبن » انتهى ما رد به عليه ، فلم يبق إلا الترجيح بين نقل هذين الرجلين ، أعني الزجاج وابن مجاهد ، ولا شك أن ابن مجاهد أعنى بالقراءات ، إلا أن الزجاج ثقة ، ويقول : « قرأ بها خلق كثير » ، وهذا يبعد غلطه فيه ، والإثبات مقدّم على النفي . وما ذكره أبو علي من قوله : « وإذا لم يجز البدل لم يجز إلا كسر إنّ » إلى آخره ، هذا أيضا ممّا لم يقرأ به أحد . قال مكي : « وجه القراءة لمن قرأ بالتاء - يعني بتاء الخطاب - أن يكسر
« أَنَّما »
فتكون الجملة في موضع المفعول الثاني ولم يقرأ به أحد علمته » .
وقد نقل أبو البقاء نصب « خيرا » قراءة شاذة . قال : « وقد قرىء شاذا بالنصب على أن يكون
« لِأَنْفُسِهِمْ »
خبر « أنّ » ، و « لم » تبيين أو حال من « خيرا » يعني أنه لمّا جعل لأنفسهم الخير جعل
« لَهُمْ »
: إمّا تبيينا تقديره : أعني لهم ، وإمّا حالا من النكرة المتأخرة ، لأنه كان في الأصل صفة لها ، والظاهر على هذه القراءة ما قدّمته من كون
« لَهُمْ »
هو الخبر ، ويكون
« لِأَنْفُسِهِمْ »
في محلّ نصب صفة ل « خيرا » كما كان صفة له في قراءة الجمهور ، ونقل أيضا قراءة كسر « إنّ » وهي قراءة يحيى ، وخرّجها على أنها جواب قسم محذوف ، والقسم وجوابه يسدّ مسدّ المفعولين ولا حاجة إلى ذلك ، بل تخريجها على ما تقدّم أولى ، لأنّ الأصل عدم الحذف .
والإملاء : الإمهال والمدّ في العمر ، ومنه : « ملاوة الدهر » للمدة الطويلة ، والملوان : الليل والنهار ، وقولهم « ملاك اللّه بنعمة » أي : منحكها عمرا طويلا . وقيل : الملوان : تكرّر الليل والنهار وامتدادهما ، بدليل إضافتهما إليهما في قول الشاعر :
1505 - نهار وليل دائم ملواهما * على كلّ حال المرء يختلفان « 1 »
فلو كانا الليل والنهار لما أضيفا إليهما ، إذ الشيء لا يضاف إلى نفسه وقوله :
« أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ »
أصل الياء واو ، وإنما قلبت ياء لوقوعها رابعة .
قوله :
إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا
قد تقدّم أن يحيى بن وثاب قرأ بكسر الأولى وفتح هذه ، فيما نقله عنه الزمخشري ، وتقدم تخريجها ، إلّا أنّ الشيخ « 2 » قال : « إنه لم يحكها عنه غير الزمخشري ، بل الذين نقلوا قراءة يحيى إنما نقولوا كسره للأولى فقط » قال : « وإنما الزمخشري لولوعه بمذهبه يروم ردّ كلّ شيء إليه » . وهذا تحامل عليه لأنه ثقة لا ينقل ما لم يرو .
وأمّا على قراءة كسرها ففيها وجهان :
أحدهما : أنها جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها كأنه قيل : ما بالهم يحسبون الإملاء خيرا ؟ فقيل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما . و « إنّ » هنا مكفوفة ب « ما » ، ولذلك كتبت متصلة على الأصل ، ولا يجوز أن تكون موصولة اسمية ولا حرفية ؛ لأنّ لام كي لا يصحّ وقوعها خبرا للمبتدأ ولا لنواسخه .
والوجه الثاني : أنّ هذه الجملة تكرير للأولى . قال أبو البقاء : « وقيل
« أَنَّما »
تكرير للأول ، و
« لِيَزْدادُوا »
وهو المفعول الثاني ل « تحسبنّ » هذا على قراءة التاء ، والتقدير : لا تحسبنّ يا محمد إملاء الذين كفروا خيرا ليزدادوا إثما ،
هامش
( 1 ) البيت في المفردات للراغب 494 .
( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 124 .