والثاني : أنها داخلة في حيّز الموصول ، فتكون معطوفة على
« باءَ بِسَخَطٍ »
، فيكون قد وصل الموصول بجملتين اسمية وفعلية ، وعلى كلا الاحتمالين لا محلّ لها من الإعراب . والمخصوص بالذمّ محذوف أي : وبئس المصير جهنم .
واشتملت هذه الآيات على الطباق في قوله :
« يَنْصُرْكُمُ
و
يَخْذُلْكُمْ »
، وفي قوله : « رضوان اللّه وسخطه » ، والتجنيس المماثل في قوله : « يغلل » و
« بِما غَلَّ »
.
قوله تعالى :
هُمْ دَرَجاتٌ :
مبتدأ وخبر ، ولا بدّ من تأويل في الإخبار بالدرجات عن « هم » لأنها ليست إياهم ، فيجوز أن يكون جعلوا نفس الدرجات مبالغة ، والمعنى : أنّهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم ، كما أنّ الدرجات متفاوتة ، والأصل على التشبيه أي : هم مثل الدرجات في التفاوت ، ومنه قوله :
1495 - أنصب للمنيّة تعتريهم * رجالي أم هم درج السّيول « 1 »
ويجوز أن يكون على حذف مضاف أي : ذوو درجات أي : أصحاب منازل ورتب في الثواب والعقاب .
وأجاز ابن الخطيب أن يكون الأصل : « لهم درجات » فحذفت اللام ، وعلى هذا يكون
« دَرَجاتٌ »
مبتدأ وما قبلها الخبر . وقد ردّ عليه بعض الناس ، وجعل هذا من جهله وجهل متبوعيه من المفسّرين بلسان العرب وقال : « لا مساغ لحذف اللام البتة ، لأنها إنما تحذف في مواضع يضطرّ إليها ، وهنا المعنى واضح مستقيم من غير تقدير حذف » ، ولعمري إنّ ادّعاء حذف اللام خطأ ، والمخطىء معذور ، ولكن قد نقل عن المفسرين هذا ، ونقل عن ابن عباس والحسن : « لكلّ درجات من الجنة والنار » ، فإن كان هذا القائل أخذ من هذا الكلام أنّ اللام محذوفة فهو مخطىء ، لأنّ هؤلاء - رضي اللّه عنهم - يفسّرون المعنى لا الإعراب اللفظي . وقرأ النخعي : « درجة » بالإفراد على الجنس .
و
عِنْدَ اللَّهِ
فيه وجهان ، أحدهما : أن يتعلّق ب
« دَرَجاتٌ »
على المعنى لما تضمّنت من معنى الفعل ، كأنه قيل :
هم متفاضلون عند اللّه ، وأن يتعلق بمحذوف صفة لدرجات ، فيكون في محل رفع .
قوله تعالى :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ :
جواب لقسم محذوف وقرىء « لمن منّ اللّه » ب « من » الجارة ، و
« مَنَّ »
بالتشديد مجرور بها . وخرّجه الزمخشري على وجهين :
أحدهما : أن يكون الجارّ خبرا مقدما والمبتدأ محذوف تقديره : « لمن منّ اللّه على المؤمنين منّه أو بعثه إذ بعث » ، فحذف لقيام الدلالة .
والثاني : أنه جعل المبتدأ نفس « إذ » بمعنى وقت ، وخبرها الجارّ قبلها تقديره : لمن منّ اللّه على المؤمنين وقت بعثه ، ونظّره بقولهم : « أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما » . وهذان الوجهان في هذه القراءة ممّا يدلّان على رسوخ قدمه في هذا العلم .
إلّا أنّ الشخ « 2 » قد ردّ عليه الوجه الثاني بأنّ
« إِذْ »
غير متصرفة ، لا تكون إلا ظرفا ، أو مضافا إليها اسم زمان ، أو مفعولة باذكر على قول . ونقل قول أبي علي فيها وفي
« إِذْ »
أنهما لا تكونان فاعلين ولا مفعولين ولا مبتدأين . قال : « ولا يحفظ من كلامهم : « إذ قام زيد طويل » يريد : وقت قيامه طويل ، وبأنّ تنظيره القراءة بقولهم : « أخطب » إلى آخره خطأ ،
هامش
( 1 ) البيت لابن هرمة انظر الكتاب 1 / 206 ، الخزانة 1 / 203 ، الكشاف 4 / 479 .
( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 104 .