هذا الكلام لقيل : فتوكّل عليّ ، وقد نسب العزم إليه تعالى في قول أم سلمة : « ثم عزم اللّه لي » « 1 » وذلك على سبيل المجاز .
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
جار مجرى العلة الباعثة على التوكيل عند الأخذ في كلّ الأمر .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 160 إلى 161 ]
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 )
قوله تعالى :
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ :
شرط وجوابه . وقوله :
« وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ »
مثله ، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب ، كذا قاله الشيخ « 2 » ، يعني من الغيبة في قوله :
« لِنْتَ لَهُمْ »
و
« لَانْفَضُّوا »
و
« فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ »
. وفيه نظر . وجاء قوله :
« فَلا غالِبَ »
جوابا للشرط وهو نفي صريح ، وقوله
فَمَنْ ذَا الَّذِي
وهو متضمّن للنفي جوابا للشرط الثاني تلطّفا بالمؤمنين حيث صرّح لهم بعدم الغلبة في الأول ، ولم يصرّح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني ، بل أتى في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفيا .
وقوله :
فَمَنْ ذَا الَّذِي
قد تقدّم مثله في البقرة « 3 » وأقوال الناس فيه . والهاء في
« مِنْ بَعْدِهِ »
فيها وجهان :
أحدهما - وهو الأظهر - أنها تعود على اللّه تعالى ، وفيه احتمالان :
أحدهما : أن يكون ذلك على حذف مضاف أي : من بعد خذلانه .
والثاني : أنه لا يحتاج إلى ذلك ، ويكون معنى الكلام : إنكم إذا جوّزتموه إلى غيره وقد خذلكم فمن تجاوزون إليه وينصركم ؟ والوجه الثاني : أن تعود على الخذلان المفهوم من الفعل وهو نظير :
« اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ »
« 4 » .
وقوله :
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
إنّما قدّم الجارّ ليؤذن بالاختصاص أي : ليخصّ المؤمنون ربّهم بالتوكّل عليه والتفويض لعلمهم أنه لا ناصر لهم سواه ، وهو معنى حسن ذكره الزمخشري . وقرأ الجمهور :
« يَخْذُلْكُمْ »
بفتح الياء من « خذله » ثلاثيا ، وقرأ عبيد بن عمير : « يخذلكم » بضمها من أخذل رباعيا ، والهمزة فيه لجعل الشيء ، أي :
يجعلكم مخذولين .
قوله تعالى :
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ :
[
« أَنْ يَغُلَّ »
في محلّ رفع اسم كان ، و
« لِنَبِيٍّ »
خبر مقدم ] أي : ما كان له غلول أو إغلال على حسب القراءتين . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين من « غلّ » مبنيا للفاعل ، ومعناه : أنه لا يصحّ أن يقع من النبي غلول لتنافيهما ، فلا يجوز أن يتوهّم ذلك فيه البتة . وقرأ الباقون « يغلّ » مبنيّا للمفعول . وهذه القراءة فيها احتمالان :
أحدهما : أن يكون من « غلّ » ثلاثيا ، والمعنى : ما صحّ لنبيّ أن يخونه غيره ويغلّه ، فهو نفي في معنى النهي أي :
لا يغلّه أحد .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2 / 633 ، كتاب الجنائز ( 5 - 918 ) .
( 2 ) انظر البحر المحيط 3 / 100 .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 255 ) .
( 4 ) سورة المائدة ، آية ( 8 ) .