والاحتمال الثاني : أن يكون من أغلّ رباعيا ، وفيها وجهان ، أحدهما : أن يكون من أغلّه : أي نسبه إلى الغلول كقولهم : أكذبته أي : نسبته إلى الكذب ، وهذا في المعنى كالذي قبله أي : نفي في معنى النهي أي : لا ينسبه أحد إلى الغلول .
والثاني : أن يكون من أغلّه أي وجده غالا كقولهم : أحمدت الرجل وأبخلته وأجبنته أي : وجدته محمودا وبخيلا وجبانا . والظاهر أن قراءة
« يَغُلَّ »
بالياء للفاعل لا يقدّر فيها مفعول محذوف ؛ لأنّ الغرض نفي هذه الصفة عن النبي من غير نظره إلى تعلّق بمفعول كقولك : « هو يعطي ويمنع » تريد إثبات هاتين الصفتين . وقدّر له أبو البقاء مفعولا فقال :
« تقديره : أن يغلّ المال أو الغنيمة » .
واختار أبو عبيد والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا : لأنّ الفعل الوارد بعد « ما كان لكذا أن يفعل » أكثر ما يجيء منسوبا إلى الفاعل نحو :
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ
« 1 »
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
« 2 » وبابه . ورجّحها بعضهم بقوله :
« وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ »
فهذا يوافق هذه القراءة ، ولا حجّة في ذلك لأنها موافقة للأخرى .
والخذل والخذلان ضد النصر ، وهو ترك من تظنّ به النّصرة . وأصله من « خذلت الظّبية ولدها » أي : تركته منفردا ، ولهذا قيل لها : خاذل . ويقال للولد المتروك أيضا : خاذل ، وهذا على النسب ، والمعنى أنها مخذولة ، قال بجير :
1491 - بجيد مغزلة أدماء خاذلة * من الظّباء تراعي منزلا زيما « 3 »
ويقال له أيضا : خذول ، فعول بمعنى مفعول . قال :
1492 - خذول تراعي ربربا بخميلة * تناول أطراف البرير وترتدي « 4 »
ومنه يقال : « تخاذلت رجلا فلان » قال الأعشى :
1493 - بين مغلوب تليل خدّه * وخذول الرّجل من غير كسح « 5 »
ومعنى المادة : هذا الترك الخاص .
والغلول في الأصل : تدرّع الخيانة وتوسّطها ، والغلل : تدرّع الشيء وتوسّطه ، ومنه : « الغلل » للماء الجاري بين الشجر ، والغلّ : الحقد لكمونه في الصدر ، وتغلغل في كذا : إذا دخل فيه وتوسّط قال :
1494 - تغلغل حيث لم يبلغ شراب * ولا حزن ولم يبلغ سرور « 6 »
فالغلول الذي هو الأخذ في خفية مأخوذ من هذا المعنى ، ومنه : « أغلّ الجازر » إذا سرق أو ترك في الإهاب شيئا من اللحم . وفرّقت العرب بين الأفعال والمصادر فقالوا : غلّ يغلّ غلولا بالضّمّ في المصدر والمضارع إذا خان ، وغل
هامش
( 1 ) سورة يونس ، آية ( 100 ) .
( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 179 ) .
( 3 ) البيت لزهير لا كما قال المصنف انظر ديوانه 35 ، البحر 3 / 81 .
( 4 ) البيت لطرفة انظر ديوانه 9 ، شرح المعلقات ( 138 ) .
( 5 ) انظر ديوانه 243 .
( 6 ) تقدم .