تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
قوله :
يَغْشى
قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق ، والباقون بالياء من تحت ، وخرّجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها صفة ل
« أَمَنَةً »
مراعاة لها . ولا بدّ من تفصيل وهو : إن أعربوا
« نُعاساً »
بدلا أو عطف بيان أشكل قولهم من وجهين : أحدهما : أنّ النحاة نصّوا على أنه إذا اجتمع الصفة والبدل أو عطف البيان ، قدّمت الصفة وأخّر غيرها . وهنا قد قدّموا البدل أو عطف البيان عليها . والثاني : أن المعروف في لغة العرب أن تحدّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول : « هند حسنها فاتن » ولا يجوز : « فاتنة » إلا قليلا ، فجعلهم
« نُعاساً »
بدلا من
« أَمَنَةً »
يضعف بهذا ، فإن قيل : قد جاء مراعاة المبدل منه في قوله :
1477 - فكأنّه لهق السّراة كأنّه * ما حاجبيه معيّن بسواد « 1 »
فقال : « معيّن » مراعاة للهاء في « كأنه » ، ولم يراع البدل وهو « حاجبيه » ومثله قوله :
1478 - إنّ السّيوف غدوّها وراوحها * تركت هوازن مثل قرن الأعضب « 2 »
فقال : « تركت » مراعاة للسيوف ، ولو راعى البدل لقال : « تركا » . فالجواب : أن هذا - وإن كان قد قال به بعض النحويين مستندا إلى هذين البيتين - مؤول « معيّن » خبر عن « حاجبيه » لجريانهما مجرى الشيء الواحد في كلام العرب ، وأنّ نصب « غدوها ورواحها » على الظرف لا على البدل ، وقد تقدّم لنا شيء من هذا عند قوله :
عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ
« 3 » . وإن أعربوا
« نُعاساً »
مفعولا من أجله لزم الفصل بين الصفة والموصوف بالمفعول له ، وكذا إن أعربوا
« نُعاساً »
مفعولا به ، و
« أَمَنَةً »
حالا يلزم الفصل أيضا ، وفي جوازه نظر . والأحسن حينئذ أن تكون هذه الجملة استئنافية جوابا لسؤال مقدر ، كأنه قيل : ما حكم هذه الأمنة ؟ فأخبر بقوله : « تغشى » ، ومن قرأ بالياء أعاد الضمير على
« نُعاساً »
وتكون الجملة صفة له . و
« مِنْكُمْ »
صفة ل
« طائِفَةً »
فيتعلق بمحذوف . قوله :
وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ
في هذه الواو ثلاثة أوجه : أحدها : أنّها واو الحال ، وما بعدها في محلّ نصب على الحال ، العامل فيها
« يَغْشى »
. والثاني : أنها واو الاستئناف ، وهي التي عبّر عنها مكي بواو الابتداء . والثالث : أنها بمعنى « إذ » ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيف . و
« طائِفَةً »
مبتدأ ، والخبر
« قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ »
، وجاز الابتداء بالنكرة لأحد شيئين : إمّا للاعتماد على واو الحال ، وقد عدّه بعضهم مسوّغا ، وإن كان الأكثر لم يذكروه ، وأنشد :
1479 - سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا * محيّاك أخفى ضوؤه كلّ شارق « 4 »
وإمّا لأنّ الموضع موضع تفصيل ، فإنّ المعنى : يغشى طائفة ، وطائفة لم يغشهم ، فهو كقوله :
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 102 ) . ( 4 ) انظر البيت في المغني 423 ، الدرر 1 / 76 .